ويشهد لهذا ما في"صحيح مسلم"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايعه الناس كان عُمر آخذاً بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان عمر يضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيدي الناس كيلاً يتعب بتحريكها لكثرة المبايعين فدلّ على أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت توضع على يد المبايعين.
وأيًّا مَّا كان فذكر الفوقية هنا ترشيح للاستعارة وإغراق في التخيل.
والمبايعة أصلها مشتقة من البيع فهي مفاعلة لأن كلا المتعاقدين بائع ، ونقلت إلى معنى العهد على الطاعة والنصرة قال تعالى:
{يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعْنَك على أن لا يشركن بالله شيئاً} [الممتحنة: 12] الآية وهي هنا بمعنى العهد على النصرة والطاعة.
وهي البيعة التي بايعها المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تحت شجرة من السّمُر وكانوا ألفاً وأربعمائة على أكثر الروايات.
وقال جابر بن عبد الله: أو أكثر ، وعنه: أنهم خمس عَشرة مائة.
وعن عبد الله بن أبي أوفى كانوا ثلاث عشرة مائة.
وأول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة أبو سنان الأسدي.
وتسمّى بيعة الرضوان لقول الله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] .
وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عثمان بن عفان من الحديبية إلى أهل مكة ليفاوضهم في شأن التخلية بين المسلمين وبين الاعتمار بالبيت فأرجف بأن عثمان قتل فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتالهم لذلك ودعا من معه إلى البيعة على أن لا يرجعوا حتى يناجزوا القوم ، فكان جابر بن عبد الله يقول: بايعوه على أن لا يَفرَّوا ، وقال سلمة بن الأكوع وعبد الله بن زيد: بايعناه على المَوت ، ولا خلاف بين هذين لأن عدم الفرار يقتضي الثبات إلى الموت.