ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} ، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء} أي: ما يظنونه ، ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم ، والمعنى: أن العذاب ، والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم.
قال الخليل ، وسيبويه: السوء هنا: الفساد.
قرأ الجمهور {السوء} بفتح السين.
وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بضمها {وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} .
لما بيّن سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بيّن ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة ، وعذاب جهنم {وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض} من الملائكة ، والإنس ، والجنّ ، والشياطين {وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً} كرّر هذه الآية ؛ لقصد التأكيد ، وقيل: المراد بالجنود هنا: جنود العذاب ، كما يفيده التعبير بالعزة هنا ، مكان العلم هنالك.
وقد أخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وأبو داود ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال: شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته عند كراع الغميم ، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} ، فقال رجل: إي رسول الله ، أو فتح هو؟ قال:"إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح"، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلاّ من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهماً.