{وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ..} [الفتح: 2] تمام النعمة على رسول الله أنْ بعثه الله للناس كافة لكل زمان ولكل مكان، وكان الرسلُ قبله يُبعث الرسولُ إلى قوم معينين في زمن معين، أما سيدنا رسول الله فقد جاء على موعد مع التقاء حضارات الدنيا كلها واتصال بين المشرق والمغرب، فجاء رسولاً عاماً وخاتماً للرسالات، لذلك نقول: سيد الرسل وخاتم الأنبياء.
ومن تمام النعمة أن الله فتح له، وأزال من أمامه العقبات التي كانت تعرقل مسيرة الدعوة حتى دانتْ له الجزيرة العربية كلها وشملها الإسلام، وعلى يديه هدى اللهُ هذه الأمة فحملت رسالته من بعده وساحت بها في شتى بقاع المعمورة.
فجذب إليه أعظم حضارتين في هذا الوقت، هما: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، حتى إنهم ليقولون: من عجائب هذا الدين أنه فتح نصف الكرة الأرضية في نصف قرن من الزمان، وهذه لم تحدث من قبل.
والحق سبحانه يشرح لنا مسألة تمام النعمة هذه في قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ..} [المائدة: 3] .
لذلك لما سمع سيدنا أبو بكر هذه الآية قال: لقد نعى محمد نفسه بهذه الآية. لأنه لا شيء بعد التمام إلا النقصان، فأخذوا من هذه إشارة إلى قرب موته صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لينال الجزاء.
"لذلك لما جاءه ملك الموت وخيّره صلى الله عليه وسلم قال: بل الرفيق الأعلى". فاختار جوار ربه ليس هرباً من المسئولية بل لعلمه بتمام الأمر واستوائه، وأنه ليس له مهمة بعد ذلك، بعد أنْ أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وأظهر أمر الدين، وأرسى قواعده.
وقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2] فبعد أنْ رأى النعمة قد تمتْ، وليس هناك مغاليق اطمأن إلى أن الله لا يتخلى عنه.
وقوله تعالى: {وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3] هل النصر هو العزيز أم المنصور؟ المنصور هو العزيز، إنما وصف النصر بالعزة فكأن نصر الحق يُسِعد النصرَ نفسه ويعزه وليقول له: إنك بهذا النصر أخذتَ ما لم يأخذه مثلك أبداً.
وفي موضع آخر بيَّن الحق سبحانه أنه ناصر رسوله في وقت الرخاء كما في فتح مكة، وناصره وقت الشدة كما في حنين: