(فائدة)
وهناك فيما يُلحق بالتضاد صورتان أخريان:
الأولى: أن يُفتقد التضاد في اللفظ والمعنى جميعًا في الكلمات المذكورة، ولكن يكون هناك نوع تعلق بين إحداهما وما يُضاد الأخرى، فمن ذلك قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم} (الفتح: 29) ، فالمذكور هنا الشدة والرحمة، وهما لا يتضادان لا لفظًا ولا معنًى، ولكن الرحمة تتعلق بما يُضاد الشدة، وهو اللين تعلقٌ سببي، فالرحمة مسببة عن اللين، واختيرت الرحمة على اللين؛ لأنها محببة إلى النفوس، والمرء يتعلق بها ويرجوها دائمًا، أما اللين فإنه يُوحي بالضعف والرخاوة، وهذا أمر مستكره في المسلم، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} (التوبة: 50) فالذي معنا هنا الحسنة والمصيبة، ومن الواضح أنهما لا يتضادان، فالذي يُضاد الحسنة هو السيئة وليست السيئة هي المصيبة، ولكنها أعم منها، فالسيئات قد تكون مصائب وكوارث تصيب الإنسان في نفسه وماله وبنيه، وقد لا تكون كذلك، ولكن إذا لم تكن المصيبة مضادة للسيئة، فإن بينها وبين ما يضادها - وهو الحسنة - علاقة عموم وخصوص.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه} (القصص: 73) وهذه الآية وإن كانت من المقابلة فلا بأسَ من النظر فيما بين السكون وابتغاء الفضل؛ لأنه مما نحن فيه، إننا نرى هنا في الآية تضادًّا ظاهرًا واضحًا بين الليل والنهار، ولكنه ذُكر بعدهما على طريق اللف والنشر: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه} ، ولا نجد بين السكون وابتغاء الفضل تضادًّا لا في الظاهر ولا في الباطن، الذي يُضاد السكون هو الحركة، ولكن إذا افتقدنا التضامن بينهما فإننا نجد علاقة سببية بين الحركة وبين ابتغاء الفضل، فابتغاء الفضل مسبب عن الحركة، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل؛ لأن الحركة ضربان: حركة لمصلحة وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية.