وهؤلاء في هذه الأعصار لا يسلمون ولا يسلم أصحابهم من الوقوع في الآثام والمعاصي في لباسهم، ومساكنهم، ومطاعمهم ومشاربهم، وغير ذلك، وكفى بالمعاصي وما يجر إليها شراً، وإذا زعم تقي في عشرتهم على حد الحرص منهم، والحذر من مشاركتهم فيما هو فيه، وكان صادقاً في زعمه، فقد أوقع النَّاس في الوقوع فيه، وأساء الظن به، كما قال بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: صحبة من لا يخاف العار عار.
وروى الأصبهاني في"ترغيبه"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال لقمان عليه السَّلام لابنه: يا بني! اجتنب الأشرار؛ فإنك إن لم تعمل بأعمالهم أخذتَ من أخلاقهم.
وليحذر من كثرة محادثة النساء ولو كنَّ محارم؛ فإن صحبة النساء والصبيان تؤدي بالرجل إلى التنزل إلى عقولهم وأخلاقهم، وموافقتهم على هواهم، وهم يريدون منه ما هَوِيَتْه نفوسهم وإن أدى به إلى الهلاك والسواف، والدخول في مداخل الشر.
وقد نقل الدميري في"حياة الحيوان": أنَّ لقمان قال في وصيةٍ لابنه: اتق المرأة السوء؛ فإنها تشيبك على المشيب، واتق شرار النساء؛ فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر.
واعلم أن ما ذكره من التقوى والحذر مطلوب من كل مسلم، لكنه مطلوب أشد من العلماء، وإذا كان العالم واقعاً فيما التقوى الإبعاد منه، فكيف حال غيره إذا رآه على خلاف ذلك من اتباع الشهوات ومعاشرة أهل الغرور وهو عنده قدوة؟ فكيف لا يقتدي به فيما يُوافق هواه؟
وهذا حال أكثر المتلبسين بالعلم اليوم، وكلما تأخر الزمان كان علماؤه أسوء حالاً من الزمان قبله، ويكون عوامه لاحقين بهم حتى تقوم السَّاعة على شرار الخلق.
كما روى ابن ماجه، والحاكم وصححه، وأبو نعيم عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لاَ يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلاَ الدُّنْيَا إِلاَّ إِدْبَاراً، وَلاَ النَّاسُ إِلاَّ شُحًّا، وَلاَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَىْ شِرَارِ النَّاسِ".