فالحذرَ الحذرَ من الناس؛ فقد أفلَ الناس وبقي النسناس، ذئاب عليهم ثياب، إنْ استرفدتهم حرموك، وإن استنصرتهم خذلوك، وإن استنصحتهم غشوك، وإن كنت شريفاً حسدوك، وإن كنت وضيعاً حقروك، وإن كنت عالماً ضللوك وبدَّعوك، وإن كنت جاهلاً عيروك ولم يرشدوك، وإن نطقت قالوا: مِهْذار مِكثار وصَفيق، وإن سكتَّ قالوا: عَمى بطيء وبَلِيْد، وإن تعمقت قالوا: متكلف متعمق، وإن تغافلت قالوا: جاهل أحمق؛ فمعاشرتهم داءٌ وشقاء، ومزايلتهم دواءٌ وشفاء، ولا يؤمن أن يكون في الداء مرارة وكراهة، فاختاروا الدواء بمرارته وكراهته على الداء لغائلته وافته؛ والله المستعان!
وقال الخطابي: أنشدني أبو رجاء الغنوي قال: أنشدني العتبي
من قصيدة له: من الرجز
إِنِّي تَبَدَّلْتُ بِإِخْوانِ الصَّفا ... قَوْماً يَرَوْنَ النُّبْلَ تَطْوِيلَ اللِّحى
لا عِلْمَ دُنيا عِنْدَهُمْ وَلا تُقَى ... غُذُّوا صِغاراً ثُمَّ خَلُّوهُمْ سُدَى
يَغْمُرُهُ الْجَهْلُ وَآدابُ النِّسا ... فَلَوْ تَرى شَيْخَهُمُ إِذا احْتَبَى
ثُمَّ ابْتَدَا فِي وَصْفِ شَيْءٍ وَبَدا ... مِنْ رخْصِ أَسْعارٍ وَمِنْ فَرْطِ غَلا
وَرَفَعُوا أَصْواتَهُمْ بُكًى وَلا ... حَسِبْتَهُمْ ضَأناً تَناغَوْا بِثغا
أَوْ سِرْبَ بَطٍّ جَاوَبَتْ سِرْبَ قَطا ... فَذَلِكَ الدَّأْبُ إِلَى وَقْتِ العِشا
وَالقَلْبُ يَزْدادُ صَدًى إِلَى صَدى ... لِقُرْبِهِمْ وَالعِلْمُ يَزْدادُ فَنا
وَكُلُّهُمْ فِي العِلْمِ يَمْشِي القَهْقَرى ... يُرِيدُ قُدَّاماً فَيَجْرِي مِنْ وَرا
وروى ابن عدي في"الكامل"عن سفيان بن عيينة قال: سمعت علي بن زيد بن جُدْعان سنة سبع وستين يقول: مثل النساء إذا اجتمعن بمنزلة البط؛ إذا صاحت واحدة صِحْن جميعاً.
وقال الدينوري في"المجالسة": أنشدنا ابن أبي الدنيا قال: أنشدني شيخ من الأزد: من البسيط
قَدْ ضَيَّعَ اللهُ ما جَمَّعْتُ مِنْ أَدَبٍ ... بَيْنَ الْحَمِيْرِ وَبَيْنَ الشَّاءِ وَالْبَقَرِ
أقولُ إِنْ سَكَتُوا أُنْسٌ، وَإِنْ نَطَقُوا ... قُلْتُ: الضَّفادِعُ بَيْنَ الْماءِ وَالشَّجَرِ