إِنَّ الْكِلابَ لَتُهْدا فِي مَرابِضِها ... وَالنَّاسُ لَيْسَ بهادٍ شَرُّهُمْ أَبداً
فَانجُ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْنِسْ بِوَحْدَتِها ... أَنْتَ السَّعِيدُ إِذا ما كُنْتَ مُنْفَرِداً
وأنشد الخطابي في المعنى لبعض أهل عصره: من البسيط
شَرُّ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وَزَرُ ... وَالنَّاسُ شَرُّهُمْ ما دُونَهُ وزَرُ
كَمْ مَعْشَرٍ سَلِموا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبُعٌ ... وَما تَرى بَشَراً لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ
وقال آخر؛ أنشده الدميري والسيوطي: من الكامل
وَالنَّاسُ أَهْدى فِي القَبِيحِ مِنَ القَطا ... وَأَضَلُّ فِي الْحُسْنَى مِنَ الغِرْبانِ
وروى الخطابي عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: اعلموا أنَّ الناس شجرة بغي، وفراش نار، وذبان طمع؛ إنَّ الدنيا لمَّا فتحت على أهلها كَلَبوا - والله - أسوأَ الكَلَب حتى غار بعضهم على بعض بالسيوف، واستقل بعضهم حرمة بعض، تجانفوا على قبيحةٍ كسبوها من كل حرام، وأنفقوها في كل شر، وطبقوا الأرض ظلماً.
قال الخطابي: وقرأت لمنصور بن عمار رحمه الله تعالى في صفة الزمان فقال: تغير الزمان حتى كَلَّ عن وصفه اللسان، فأمسى خَرِفاً بعد حداثته، شرساً بعد لِيْنه، يابس الضرع بعد غزارته، يابس الفرع بعد نضارته، قاحل العود بعد رطوبته، بشع المذاق بعد عذوبته، فلا نكاد نرى لبيباً إِلاَّ ذا كمد، ولا ظريفاً واثقاً بأحد، وما أصبح له حليفاً
إلا جاهل، ولا أمسى به قرير عين إلَّا غافل، فما بقي من الخير إلا الاسم، ولا من الدين إلا الرسم، ولا من التواضع إلا المخادعة، ولا من الزهادة إلا الانتحال، ولا من المروءة إلا عذوبة اللسان، ولا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا حمية النفس، والغضب لها، وتضلع الكبر منها، ولا من الاستفادة إلا التعزز والتبجل، ولا من الإيمان إلا التراؤس، والتجلل بالغرور المائق المذموم عند الخلائق، النادم من العواقب، المحظوظ عن المراتب، من اغترَّ ولم يحسم رجاءَه باليأس، ولم يطلق قلبه بشدة الاحتراس.