كَلَّ فِيهِ الفِكْرُ مِمَّا قَدْ يَرى ... وَاسْتَذَلَّ الأَقْوِياءُ الضُّعَفا
لا كَبِيْرٌ بِوَقارٍ ظافِراً ... لا صَغِيْرٌ حاطَهُ مَنْ رَأَفا
رَأَسَ السُّقَّاطُ فِيهِ وَانْزَوى ... كُلُّ ذِي مَجْدٍ يَؤُمُّ السُّجَفا
راجَ فِيهِ ما جِنٌ أَوْ فاسِقٌ ... عُدَّ بَيْنَ النَّاسِ مِمَّنْ ظَرُفا
لِعَظِيمَينِ مُلِئْنا حَزَناً ... وِلَهَذَيْنِ انتُهَينا دَلَفا
بَيْنَما نبكِي زَماناً سَلَفا ... إِذْ بِنا نَبْكِي زَماناً خَلَفَا
فَعَسى نَمْضِي بِأَجْرَي ثَكِلٍ ... وَاغْتِمامٍ لا نَخافُ التَّلَفَا
وحيث ذكرنا في هذا الفصل أنه أكثر في كلام السَّلف تمثيل الناس بالبهائم والسباع على الأخلاق، إشارةً إلى أنَّ الصالحين والأخيار كأنهم مُستثنون منهم، فلا يدخلون في إطلاقهم إذا ذموا لقلتهم فيهم وغُربتهم بينهم، فينبغي أن نذكر جملة:
-فمن ذلك: ما رواه أبو نعيم عن ابن عباس - رضي الله عنهما: ذهب الناس وبقي النسناس.
قيل: وما النسناس؟
قال: الذين يُشبهون الناس، وليسوا الناس.
ورواه الخطابي في"العزلة"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وممن ذَكره عن أبي هريرة الزمخشري في"الفائق"، والهروي في"الغريب"، وابن الأثير في"النهاية".
وروى الدينوري في"المجالسة"عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه قال: ذهب الناس، وبقي النسناس، ولو تكاشفتم ما تدافنتم.
والنَسناس - بفتح النون، وقد تُكسر: جنسٌ من الخَلْق على سورة الإنسان، يَثِبُ على رِجْلٍ واحدة.
وقيل: له عين واحدة، ويد واحدة، ورجل واحدة؛ حكاه الدينوري في"المجالسة"عن أبي إسحاق.
وقيل: هو على سورة نصف إنسان.
وقيل: إنها في طباع البهائم تشبه الإِنسان صورة، وتتكلم، إلا أنها تفرس الكلاب أن تأخذها.
ونقل الدميري، والسيوطي عن"تاريخ صنعاء": أنَّ تاجراً سافر إلى بلادهم، فرآهم يَثبُون على رِجْلٍ واحدة، وسمع واحداً منهم يقول: من الرجز
فَرَرْتُ مِنْ خَوفِ الشّراة شَدَّا ... إِذْ لَمْ أَجِدْ مِنَ الفِرارِ بُدَّا
قَدْ كُنْتُ قِدْماً فِي زَمانِي جَلْدَا ... فَها أَنا اليَومَ ضَعِيفٌ جِدَّا
وقيل: هو جنسٌ من القردة.
وقيل: كانت حيًّا من عادٍ فَمُسخوا.