ومما اتفق لي في هذا المثل: أني لمَّا ابتليت بحسد الشيخ شمس الدين بن المنقار في أوان الطلب، وكان له تعرض للناس، فداريته بقصيدة جاء فيها قولي: من مجزوء الرجز
يا شمسَ دِينِ اللهِ، يا ... مَنْ قَدْ عَلا شَمْسَ الْفَلا
فلمَّا عرضتها عليه قبلها وشكر عليها، ثم بعد شهر أو أكثر جرت بيننا وبينه قصة آلتْ إلى أن ناظرته فيما ظهرت فيه الحجة عليه، فشرع يعترض على ما مدحته به، ويذم، ويدعي فيه سوء التركيب، فقلت: من الطويل
أتيْتُكَ يَوْمًا مَادِحًا لَكَ مُطْرِبًا ... وَلَمْ أَخْشَ قَوْلَ النَّاسِ عَنِّي لِمَ فَعَلْ
فَنافَقْتَنِي بِالشُّكْرِ حِينَ قَبِلْتَ ما ... أتيْتُ بِهِ نَظْماً عَلى الدُّرَرِ اشْتَمَلْ
وَبَعْدَ زَمانٍ قُلْتَ عَنْهُ بِأنَّهُ ... مَعِيبُ الْمَعانِي ثُمَّ فِي وَزْنهِ خَلَلْ
فَقُلْتُ لِنَفْسِي إِنَّنِي أَسْتَحِقُّ ما ... تَقُولُ وَإِنْ بالغْتَ فِي القَوْلِ وَالعَذلْ
وَما ذاكَ إِلاَّ أَنْ وَصَفْتُكَ كاذِباً ... بِشَمْسٍ، وَلَمْ أَعْلمِ بِأَنَّكَ ذُو عِلَلْ
وَما الشَّمْسُ إِلاَّ مَنْ يُضِيْءُ بِنُورِهِ ... وَلَمْ يَكُ ذا لُؤم كَمِثْلِكَ أَوْ خَطَلْ
فَإِنَّي وَضَعْتُ الشَّيْءَ غَيْرَ مَحَلِّهِ ... وَذَكَّرْتُ ذا التَّأْنِيثَ فَاسْتَنْوَقَ الْجَمَل
وكان ذلك في سنة أربع وتسعين وتسع مئة، وأنا دون العشرين من عمري، وكان المذكور قد تجاوز السبعين.
ومن لطائف العرب أنهم يقولون للملك: أصيد، أو يسمونه أصيد.
قال في"الصحاح": وأصله في البعير يكون له داءٌ في رأسه فيرفعه.
قال: ويقال: إنما قيل للملك أصيد؛ لأنه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً.
وقال: الصيد - بالتحريك: مصدر الأصيد، وهو الذي يرفع تكبراً، ومنه قيل للملك: أصيد.
قلت: وفيه وجه ثالث، وهو الأصيد من أسماء الأسد، وكذلك المصطاد، والصياد كما حكاه في"القاموس".
والعرب تعبر عن السلطان بالأسد؛ فإنه - كما قال الدميري، والسيوطي - أشرف الحيوان المتوحش لأنه ينزل منها منزلة الملك.
ومن الأمثال المشهورة: الكلاب على البقر، والكراب على البقر - بالرفع، والنصب فيهما - على الابتداء، وإضمار الفعل؛ أي: دع