3 -وبّخهم الله تعالى على افتراءهم ذاكرا أنه كيف يتّخذ البنات- كما زعموا أن الملائكة بنات الله- واختصّهم وأخلصهم بالبنين؟! 4 - لم يعقل المشركون ما افتروه على الله في نسبتهم البنات له، فإنهم لا يرضونه لأنفسهم، فإنه إذا بشّر الواحد منهم بولادة بنت له، اسودّ وجهه غمّا وكدرا، وأنف من نسبة البنت له، وأضحى حزينا مكروبا، فكيف ينسب إلى الله ما هو نافر منه؟! ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله، فقد جعل الملائكة شبها لله، لأن الولد من جنس الوالد وشبهه، ومن اسودّ وجهه مما ينسب إليه مما لا يرضى، أولى من أن يسودّ وجهه بنسبة ذلك إلى من هو أجلّ منه، فكيف إلى الله عزّ وجلّ؟! 5 - وكيف يصح أن يجعل الله له من لا همّ له إلا الحلي والزّينة، وإذا خوصم لا يقدر على الدّفاع عن نفسه؟
وفي هذه الآية دلالة- كما تقدّم- على إباحة الحلي للنّساء، وتحريمه على الرجال، وهو حكم مجمع عليه ثابت بأخبار كثيرة.
6 -أوضح الله تعالى كذب المشركين وجهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث، وهم بنات الله، وحكمهم من غير دليل بأنهم إناث، فكيف تجرؤوا حتى حكموا بأنهم إناث، ولم يحضروا حالة خلقهم؟! إن شهادتهم الباطلة هذه مكتوبة عليهم في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها في الآخرة.
7 -ومن شبه المشركين المفتراة احتجاجهم بالقدر الإلهي، فقالوا على سبيل الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرّحمن على زعمكم أيها المؤمنون ما عبدنا هذه الملائكة، والله أمرنا بهذا أو رضي لنا ذلك، ولهذا لم يعاجلنا بالعقوبة. وهذه كلمة حقّ أريد بها باطل، فإن كل شيء بإرادة الله، وعلمه نافذ لا محالة، لكن الإرادة أو المشيئة لا تقتضي الأمر والرّضا وليس الأمر والإرادة متطابقين، ولا نعلم مراد الله، فكان علينا العمل بأمره ونهيه، وليس لقولهم: الملائكة بنات الله أي دليل علمي، وما هم إلّا يحدسون ويكذبون، فلا عذر لهم في عبادة غير الله عزّ وجلّ. وقوله: هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ يفيد حصر العبودية في الملائكة، وذلك يدلّ على الفضل والشّرف، مما يوجب كونهم أفضل من غيرهم.