23 -ثم بين سبحانه، أن مقال هؤلاء قد سبقهم إلى مثله أشباههم، ونظراؤهم من الأمم السالفة، المكذبة للرسل، فقال: {وَكَذَلِكَ} ؛ أي: والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة، وتشبثهم بذيل التقليد، فهو خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرنا، وما بعده مستأنف {مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} يا محمد {فِي قَرْيَةٍ} من القرى {مِنْ نَذِيرٍ} ؛ أي: من نبي منذر قومه من عذاب الله {إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا} ؛ أي: متنعموها وأغنياؤها وجبابرتها {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا} وأسلافنا {عَلَى أُمَّةٍ} ؛ أي: على طريقة ودين {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ} وطريقتهم {مُقْتَدُونَ} ؛ أي: متبعون وقوله: {مَا أَرْسَلْنَا} كلام مستأنف قال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم أيضًا سند غيره، وخص المترفين بتلك المقالة، للإيذان بأن التنعيم وحب الطالة، هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد، يقال: أترفته النعمة أطغته، والمراد بالمترفين: الأغنياء والرؤساء، الذين أبطرتهم النعمة وسعة العيش في الدنيا، وأشغلتهم عن نعيم الآخرة، ويدخل فيهم كل من يتمادى في الشهوات، ويتبالغ في النفرة من لوازم الدين، من الشرائع والأحكام، ويحتمل كون كذلك صفةً لمصدر محذوف مع فعله، والمعنى عليه؛ أي: ومثل هذا المقال الشنيع، المتناهي في الشناعة، قالت الأمم السالفة لأخوانك الأنبياء، فلم نرسل قبلك في قرية رسولًا، إلا قال رؤساؤها وكبراؤها لرسولهم المرسل، للإنذار من عذاب الله، إنا وجدنا آباءنا على ملة ودين، وإنا على منهاجهم سائرون، نفعل مثل ما فعلوا، ونعبد ما كانوا يعبدون، فقومك أيها الرسول، ليسوا ببدع في الأمم، فهم قد سلكوا نهج من قبلهم، من أهل الشرك، في جواباتهم، بما أجابوك به، واحتجاجهم بما احتجوا به، لمقامهم على دينهم الباطل.