ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله {ولئن سألتهم} والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السماوات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه. قال صلى الله عليه وسل:"فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها"وفي قوله {من عباده} إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات. وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف. والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه. وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال {أم اتخذ مما يخلق} وفائدة تنكير {بنات} وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير {إناثاً} وتعريف {الذكور} [الشورى: 49] وقوله {بما ضرب للرحمن مثلاً} أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في"النحل"اغتم ويسود وجهه وملئ غيظاً وكرباً. ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً {أو من ينشأ} والتقدير أهو كضده. قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله. قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها. وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال. وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى. ثم