مطيعين، وكم سَخَّرَ لهم الفُلْكَ في البحر، والدوابَّ للركوب، وأعَظم عليهم المنة بذلك فكذلك سَهَّلَ للمؤمنين مركب التوفيق فَحَمَلهم عليه إلى بساط الطاعة، وسهَّلَ للمريدين مركبَ الإرادة فَحَمَلهم عليه إلى عرَصَات الجود، وسَهَّل للعارفين مركبَ الهِمَمِ فأناخوا بعِقْوةِ العِزَّةِ. وعند ذلك مَحَطُّ الكافة؛ إذ لم تخرق سرادفاتِ العزَّةِ هِمَّةُ مخلوقِ: سواء كان مَلَكاً مُقَرَّباً أونبيّاً مُرْسَلاً أو وليًّا مُكَرَّماً، فعند سطواتِ العِزَّةِ يتلاشى كلُّ مخلوقٍ، ويقف وراءَها كلُّ مُحْدَثٍ مسبوق.
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)
هم الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ فجعلوا البناتِ لله جزءاً على التخصيص من جملة مخلوقاته .. تَعَسَاً لهم في قولهم ذلك وخِزْياً!! فردَّ عليهم ذلك قائلاً:
{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} .
قال لهم على جهة التوبيخ، وعابهم بما قالوا؛ إذ - على حدِّ قولهم - كيف يُؤْثِرُهم بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟ ففي قولهم ضلالٌ؛ إذا حكموا للقديم بالوَلَد. وفيه جهلٌ؛ إذا حكموا له بالبنات ولهم بالبنين - وهم يستنكفون من البنات .. ثم .. أي عيب في البنات؟ ثم .. كيف يحكمون بأن الملائكة إناثٌ - وهم لم يشاهدوا خِلْقَتَهم؟
كلُّ ذلك كان منهم خطأ محظوراً.
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)
إنما قالوا ذلك استهزاءً واستبعاداً لا إيماناً وإخلاصاً فقال تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} ولو عَلِمُوا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم معلولاً.
أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)