وفي هذا تهديد شديد ، لأنه يتضمن أن الأوّلين أهلكوا بتكذيب الرسل ، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم.
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم} أي: لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية؟ أقرّوا بأن الله خالقهنّ ولم ينكروا ، وذلك أسوأ لحالهم وأشدّ لعقوبتهم ، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكاً له ، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرّ من المخلوقات وهي: الأصنام فجعلوها شركاء لله.
ثم وصف سبحانه نفسه بما يدلّ على عظيم نعمته على عباده وكمال قدرته في مخلوقاته فقال: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مهادا} وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله ، ولو كان متصلاً بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهاداً ، والمهاد: الفراش والبساط ، وقد تقدّم بيانه ، قرأ الجمهور: {مهاداً} وقرأ الكوفيون (مهداً) {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي طرقاً تسلكونها إلى حيث تريدون ، وقيل: معايش تعيشون بها {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم.
{والذي نَزَّلَ مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ} أي: بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ويهلككم بالغرق ، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة ، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي: أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات.
قرأ الجمهور: {ميتاً} بالتخفيف.