والمعنى: بل أأتخذ من خلقه البنات، التي هي أخس الصنفين، واختار لكم البنين، الذين هم أفضلهما على معنى: هبوا أنكم اجترأتم على إضافة جنس الولد إليه سبحانه وتعالى، مع ظهور استحالته وامتناعه، أما كان لكم شيء من العقل، ونبذة من الحياء، حتى اجترأتم على ادعاء أنه تعالى آثركم على نفسه، بخير الصنفين وأعلاهما، وترك لنفسه شرهما وأدناهما، فإن الإناث كانت أبغض الأولاد عندهم، ولذا وأدوهن، ولو اتخذ لنفسه البنات، وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل، وأفضل من حال الله، ويدفعه بديهة العقل، فما أنتم إلا حمقى جهلاء، ونحو الآية قوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) } جائرة.
17 -ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم والإنكار عليهم، فقال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ} ؛ أي: أخبر أحد المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله، كبني مليح {بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا} ؛ أي: بولادة ما جعله شبهًا للرحمن، والالتفات هنا إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم، أن يعرض عنهم ويحكي لغيرهم تعجبًا منها، وضرب هنا بمعنى جعل، المتعدي إلى مفعولين، حذف الأول منهما، لا بمعنى بين، ومثلًا بمعنى شبيه، لا بمعنى القصة العجبة، كما في قولهم: ضرب له المثل بكذا.
والمعنى: وإذا أخبر أحد المشركين بولادة ما جعله مثلًا للرحمن، وشبيهًا له تعالى، إذ الولد لا بد أن يجانس الوالد ويماثله {ظَلَّ} من الظلول بمعنى الصيرورة؛ أي: صار {وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} ؛ أي: شديد السواد من سوء ما بشر به، ولذا قيل: من رأى في المنام أن وجهه أسود، ولدت له بنت، ويحتمل أن يكون اسوداد الوجه عبارة عن الكراهة، {وَهُوَ كَظِيمٌ} ؛ أي: حزين؛ أي: والحال أنه مملوء من الكرب والكآبة، يقال: رجل كظيم ومكظوم؛ أي: مكروب كما في"القاموس".
وقرئ: {مسود ومسواد} بالرفع، واسم ظل حينئذٍ إما ضمير يعود على أحد، وجملة {وجهه مسود} من المبتدأ والخبر خبرها، وإما وجه فمسود، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو مسود، فتقع هذه الجملة موقع خبر ظل.