ومعنى الآية: واعتقد المشركون، وحكموا، وأثبتوا له تعالى ولدًا حال كون ذلك الولد من الملائكة الذين هم عباده، فقالوا: الملائكة بنات الله بعد اعترافهم بألسنتهم، واعتقادهم أن خالق السماوات والأرض هو الله، فكيف يكون له ولد، والولادة من صفات الأجسام، وهو خالق الأجسام كلها، ففيه تعجب من جهلهم، وتنبيه على قلة عقولهم حيث وصفوه بصفات المخلوقين، وإشارة إلى أن الولد لا يكون عبد أبيه، والملائكة عباد الله فكيف تكون البنات عبادًا، وقيل: الجزء هاهنا بمعنى النصيب، كما في قوله تعالى: {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} ؛ أي: نصيب.
ومعنى الآية: معنى قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} وذلك أنهم جعلوا البنات لله والبنين لأنفسهم كما سيأتي.
والحاصل: أن مقالتهم هذه، أعني قولهم: إن الملائكة بنات الله، تقتضي الكفر من وجهين:
الأول: كون الخالق جسمًا محدثًا، لمشابهة الولد له، فلا يكون إلهًا ولا خالقًا.
والثاني: الاستخفاف به، إذ جعلوا له أضعف نوعي الإنسان وأخسهما.
ثم أكد كفرهم بقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ} ؛ أي: إن الكافر، يعني: قائل ذلك {لَكَفُورٌ} ؛ أي: لجحود بنعم ربه التي أنعمها عليه {مُبِينٌ} ؛ أي: ظاهر كفره لمن تأمل حاله وتدبر أمره؛ لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله، ولذلك يقولون ما يقولون سبحانه وتعالى عما يصفون.
16 -ثم زاد في الإنكار عليهم والتعجب من حالهم، فقال: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} وأم منقطعة، مقدرة ببل الإضرابية، وبالهمزة، على أنها للإنكار والتوبيخ، والتعجب من شأنهم، وتنكير بنات لتربية الحقارة، كما أن تعريف البنين في قوله: {وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} لتربية الفخامة، وقدم البنات لكون المنكر عليهم نسبتهن إلى الله تعالى، فكان ذكرهن أهم بالنظر إلى مقصود المقام، والالتفات إلى خطابهم لتأكيد الإلزام وتشديد التوبيخ، والإصفاء: الإيثار.