يَقُولُ: كَبُرَ ذَلِكَ الْجِدَالُ الَّذِي يُجَادِلُونَهُ فِي آيَاتِ اللَّهِ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، {وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} بِاللَّهِ؛ وَإِنَّمَا نُصِبَ قَوْلُهُ: {مَقْتًا} لِمَا فِي قَوْلِهِ {كَبُرَ} مِنْ ضَمِيرِ الْجِدَالِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} فَنَصَبَ كَلِمَةً مَنْ نَصَبَهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِي قَوْلِهِ: {كَبُرَتْ} ضَمِيرَ قَوْلِهِمْ: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُضْمِرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رَفَعَ الْكَلِمَةَ
وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}
يَقُولُ: كَمَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُوَحِّدَهُ، وَيُصَدِّقُ رُسُلَهُ جَبَّارٍ: يَعْنِي مُتَعَظِّمٍ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، خَلَا أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَلَى: {كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} بِإِضَافَةِ الْقَلْبِ إِلَى الْمُتَكَبِّرِ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنْ أَنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِ الْمُتَكَبِّرِينَ كُلِّهَا؛ وَمَنْ كَانَ ذَلِكَ قِرَاءَتَهُ، كَانَ قَوْلُهُ «جَبَّارٍ» مِنْ نَعْتِ «مُتَكَبِّرٍ»
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)
وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِنْ قِرَاءَتِهِ يُحَقِّقُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِإِضَافَةِ قَلْبٍ إِلَى الْمُتَكَبِّرِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ «كُلِّ» قَبْلَ الْقَلْبِ وَتَأْخِيرَهَا بَعْدَهُ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَاحِدٌ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: هُوَ يُرَجِّلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمُعَةٍ، يَعْنِي: كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ
وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَقَرَأَ ذَلِكَ بِتَنْوِينِ الْقَلْبِ وَتَرَكَ إِضَافَتَهُ إِلَى مُتَكَبِّرٍ، وَجَعَلَ الْمُتَكَبِّرَ وَالْجُبَارَ مِنْ صِفَةِ الْقَلْبِ