وانتصب {مِثْلَ دَأْببِ قَوْممِ نُوحٍ} على عطف البيان من {مِثلَ يَوْممِ الأحزابِ} ولما كان بياناً له كان ما يضافان إليه متحداً لا محالة فصار الأحزاب و (الدأب) في معنى واحد وإنما يتم ذلك بتقدير مضاف متحد فيهما، فالتقدير: مثلَ يوممِ جزاء الأحزاب.
مثلَ يوممِ جزاء دأب قوم نوح وعاد وثمود، أي جزاء عملهم.
ودأبُهم الذي اشتركوا فيه هو الاشراك بالله.
وهذا يقتضي أن القبط كانوا على علم بما حلّ بقوم نوح وعاد وثمود، فأما قوم نوح فكان طوفانهم مشهوراً، وأما عاد وثمود فلقرب بلادهم من البلاد المصرية وكان عظيماً لا يخفى على مجاوريهم.
وجملة {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَادِ} معترضة، والواو اعتراضية وهي اعتراض بين كلاميه المتعاطفين، أي أخاف عليكم جزاءً عادلاً من الله وهو جزاء الإشراك.
والظلم يطلق على الشرك {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ، ويطلق على المعاملة بغير الحق، وقد جمع قوله: {وما الله يريد ظلماً للعباد} نفي الظلم بمعنييه على طريقة استعمال المُشترك في معنييه.
وكذلك فعل {يريد} يطلق بمعنى المشيئة كقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] ويطلق بمعنى المحبة كقوله: {ما أريد منهم من رزق} [الذاريات: 57] ، فلما وقع فعل الإِرادة في حيّز النفي اقتضى عموم نفي الإِرادة بمعنييها على طريقة استعمال المشترك في معنييه، فالله تعالى لا يحب صدور ظلم من عباده ولا يشاء أن يَظلِم عبادَه.
وأول المعنيين في الإِرادة وفي الظلم أعلق بمقام الإِنذار، والمعنى الثاني تابع للأَول لأنه يدل على أن الله تعالى لا يترك عقاب أهل الشرك لأنه عَدْل، لأن التوعد بالعقاب على الشرك والظلممِ أقوى الأسباب في إقلاع الناس عنه، وصدق الوعيد من متممات ذلك مع كونه مقتضى الحكمة لإِقامة العدل.