قول هذا المؤمن: {يا قوم لكم الملك اليوم} استنزال لهم ووعظ لهم من جهة شهواتهم وتحذير من زوال ترفتهم ونصيحة لهم في أمر دنياهم.
وقوله: {في الأرض} يريد في أرض مصر وما والاها من مملكتهم. ثم قررهم على من هو الناصر لهم من بأس الله ، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون ، ولذلك استكان هو ورجع يقول: {ما أريكم إلا ما أرى} كما تقول لمن لا تحكم له.
وقوله: {أريكم} من رأى قد عدي بالهمزة ، فللفعل مفعولان أحدهما الضمير في {أريكم} والآخر ما في قوله: {إلا ما} وكأن الكلام أراكم ما أرى ، ثم أدخل في صدر الكلام {ما} النافية وقلب معناها ب {إلا} الموجبة تخصيصاً وتأكيداً للأمر ، وهذا كما تقول: قام زيد ، فإذا قلت: ما قام إلا زيد أفدت تخصيصه وتأكيد أمره. و {أرى} متعدية إلى مفعول واحد وهو الضمير الذي فيه العائد على {ما} ، تقديره: إلا ما أراه ، وحذف هذا المفعول من الصفة حسن لطول الصلة.
وقرأ الجمهور: {الرشاد} مصدر رشد ، وفي قراءة معاذ بن جبل:"سبيل الرشّاد"بشد الشين ، قال أبو الفتح: وهو اسم فاعل في بنيته مبالغة وهو من الفعل الثلاثي رشد فهو كعباد من عبد. وقال النحاس: هو لحن وتوهمه من الفعل الرباعي وقوله مردود. قال أبو حاتم: كان معاذ بن جبل يفسرها سبيل الله. ويبعد عندي هذا على معاذ رضي الله عنه ، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله ، ويقلق بناء اللفظة على هذا التأويل.
واختلف الناس من المراد بقوله: {وقال الذي آمن} فقال جمهور المفسرين: هو المؤمن المذكور أولاً ، قص الله تعالى أقاويله إلى آخر الآيات. وقالت فرقة: بل كلام ذلك المؤمن قديم ، وإنما أرد تعالى ب {الذي آمن} موسى عليه السلام ، واحتجت هذه الفرقة بقوة كلامه ، وأنه جلح معه بالإيمان وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك ، ولم يكن كلام الأول إلا بملاينة لهم.