{إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق} .. الحق في طبيعته. والحق في منهجه. والحق في شريعته. الحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض ؛ ويلتقي عليه نظام البشرية في هذا الكتاب ونظام الكون كله في تناسق. هذا الحق نزل {للناس} ليهتدوا به ويعيشوا معه ويقوموا عليه. وأنت مبلغ. وهم بعد ذلك وما يشاءون لأنفسهم من هدى أو ضلال ، ومن نعيم أو عذاب. فكل مورد نفسه ما يشاء ؛ وما أنت بمسيطر عليهم ولا بمسؤول عنهم:
{فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما أنت عليهم بوكيل} ..
إنما الوكيل عليهم هو الله. وهم في قبضته في صحوهم ونومهم وفي كل حالة من حالاتهم ، وهو يتصرف بهم كما يشاء:
{الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتي لم تمت في منامها. فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} ..
فالله يستوفي الآجال للأنفس التي تموت. وهو يتوفاها كذلك في منامها وإن لم تمت بعد ولكنها في النوم متوفاة إلى حين. فالتي حان أجلها يمسكها فلا تستيقظ. والتي لم يحن أجلها بعد يرسلها فتصحو. إلى أن يحل أجلها المسمى. فالأنفس في قبضته دائماً في صحوها ونومها.
{إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ..
إنهم هكذا في قبضة الله دائماً. وهو الوكيل عليهم. ولست عليهم بوكيل. وإنهم إن يهتدوا فلأنفسهم وإن يضلوا فعليها. وإنهم محاسبون إذن وليسوا بمتروكين.. فماذا يرجون إذن للفكاك والخلاص؟
{أم اتخذوا من دون الله شفعاء؟ قل: أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؟ قل: لله الشفاعة جميعاً. له ملك السماوات والأرض ، ثم إليه ترجعون} ..
وهو سؤال للتهكم والسخرية من زعمهم أنهم يعبدون تماثيل الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى! {أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؟} .. يعقبه تقرير جازم بأن لله الشفاعة جميعاً. فهو الذي يأذن بها لمن يشاء على يد من شاء. فهل مما يؤهلهم للشفاعة أن يتخذوا من دون الله شركاء؟!