قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} : قرأ الحَرميَّان: نافعٌ وابنُ كثير بتخفيف الميم ، والباقون بتشديدها . فأمَّا الأُولى ففيها وجهان ، أحدهما: أنها همزةُ الاستفهامِ دَخَلَتْ على"مَنْ"بمعنى الذي ، والاستفهامُ للتقريرِ ، ومقابلُه محذوفٌ ، تقديرُه: أمَنْ هو قانتٌ كمَنْ جعل للَّهِ تعالى أنداداً ، أو أَمَنْ هو قانِتٌ كغيرِه ، أو التقدير: أهذا القانِتُ خيرٌ أم الكافرُ المخاطبُ بقوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} ويَدُلُّ عليه قولُه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ} فحذفَ خبرَ المبتدأ أو ما يعادِلُ المُسْتَفْهَم عنه . والتقديران الأوَّلان أَوْلى لقلةِ الحَذْفِ . ومن حَذْفِ المعادِلِ للدلالةِ قولُ الشاعر:
3890 دَعاني إليها القلبُ إنِّي لأَمْرِها ... سميعٌ فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها
يريد: أم غَيٌّ . والثاني: أَنْ تكونَ الهمزةُ للنداءِ ، و"مَنْ"منادى ، ويكون المنادى هو النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو المأمورُ بقولِه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ} كأنه قال: يا مَنْ هو قانِتٌ قل كَيْتَ وكَيْتَ ، كقولِ الآخرِ:
3891 أزيدُ أخا وَرْقاءَ إنْ كنتَ ثائراً ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وفيه بُعْدٌ ، ولم يَقَعْ في القرآن نداءٌ بغير يا حتى يُحْمَلَ هذا عليه . وقد ضَعَّفَ الشيخُ هذا الوجهَ بأنه أيضاً أجنبيٌّ مِمَّا قبله وممَّا بعده . قلت: قد تقدَّمَ أنه ليس أجنبياً ممَّا بعدَه ؛ إذ المنادَى هو المأمورُ بالقولِ . وقد ضَعَّفَه الفارسي أيضاً بقريبٍ مِنْ هذا . وقد تَجَرَّأ على قارئِ هذه القراءةِ أبو حاتم والأخفش .