وقد استحسن هذه القراءة بعض المفسرين لكون موته ، وموتهم مستقبلاً ، ولا وجه للاستحسان ، فإن قراءة الجمهور تفيد هذا المعنى.
قال الفراء: والكسائي: الميت بالتشديد من لم يمت ، وسيموت ، والميت بالتخفيف من قد مات ، وفارقته الرّوح.
قال قتادة: نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، ونعيت إليهم أنفسهم.
ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت ، فقد كان بعضهم يعتقد ، أنه لا يموت مع كونه توطئة ، وتمهيداً لما بعده حيث قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} أي: تخاصمهم يا محمد ، وتحتجّ عليهم بأنك قد بلغتهم ، وأنذرتهم ، وهم يخاصمونك ، أو يخاصم المؤمن الكافر ، والظالم المظلوم.
ثم بيّن سبحانه حال كل فريق من المختصمين ، فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله} أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله ، فزعم أن له ولداً ، أو شريكاً ، أو صاحبة {وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَاءهُ} ، وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاء الناس إلى التوحيد ، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع ، ونهيهم عن محرّماته ، وإخبارهم بالبعث ، والنشور ، وما أعدّ الله للمطيع ، والعاصي.
ثم استفهم سبحانه استفهاماً تقريرياً ، فقال: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين} أي: أليس لهؤلاء المفترين المكذّبين بالصدق ، والمثوى: المقام ، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به يثوى ثواء ، وثوياً ، مثل مضى مضاء ، ومضياً.
وحكى أبو عبيد أنه يقال: أثوى ، وأنشد قول الأعشى:
أثوى وأقصر ليله ليزودا... ومضى وأخلف من قُتَيْلَةَ موعدا
وأنكر ذلك الأصمعي ، وقال: لا نعرف أثوى.