وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} وَذَلِكَ ذَمٍّ مِنَ اللَّهِ لِلْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ، الْمُكَذِّبِينَ بِتَنْزِيلِهِ وَوَحْيِهِ، الْجَاحِدِينَ وَحْدَانِيَّتَهُ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ عُقَيْبَ ذَلِكَ مَدْحُ مَنْ كَانَ بِخِلَافِ صِفَةِ هَؤُلَاءِ الْمَذْمُومِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَوَصَفِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا، وَتَصدِيقِهِمْ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ، وَالَّذِي كَانُوا يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، الْقَائِمُونَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَحُكْمِ كِتَابِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَخُصَّ وَصْفَهُ بِهَذِهِ لِصَفَةِ الَّتِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَا عَلَى أَهْلِ زَمَانٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِصِفَةٍ، ثُمَّ مَدَحَهُمْ بِهَا، وَهِيَ الْمَجِيءُ بِالصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَصْفُهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَالَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ» فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ أَنَّ الَّذِيَ مِنْ قَوْلِهِ {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} لَمْ يُعْنَ بِهَا وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ مُرَادٌ بِهَا جِمَاعَ ذَلِكَ صِفَتَهُمْ، وَلَكِنَّهَا أُخْرِجَتْ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ، إِذْ لَمْ تَكُنْ مُؤَقَّتَةً وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جُعِلَ فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا أَيْضًا قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} فَجَعَلَ الْخَبَرَ عَنِ الَّذِي جِمَاعًا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى جِمَاعٍ وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَصَدَّقَ بِهِ} : غَيْرُ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ فَقَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَكَانَ التَّنْزِيلُ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ