ولما ثبت له سبحانه كمال العظمة والقهر ، قال مستأنفاً ما أنتجه الكلام السابق معظماً باداة البعد رميم الجمع: {ذلكم} أي العالي المراتب شهادتكم أيها الخلق كلكم ، بعضكم بلسان قاله ، وبعضكم بناطق حاله ، الذي جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا أفعاله ، ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد ، أخبر عن اسم الإشارة فقال: {الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال ، ونبه على جهلهم مما يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك فقال واصفاً: {ربكم} أي المالك والمربي لكم بالخلق والرزق.
ولما كان المربي قد لا يكون ملكاً قال نتيجة لما سبق: {له} أي وحده {الملك} ولما كان المختص بالملك قد لا يكون إلهاً ، قال مثبتاً له الإلهية على ما يقتضيه من الوحدانية وهو بمنزلة نتيجة النتيجة: {لا إله إلا هو} .
ولما تكفل هذا السياق بوجوب الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه ، لأن الكل تحت قهره ، وشمول نهيه وأمره ، سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {تصرفون} أي قهراً عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما وإن كان عظيماً ، ونبه بالبناء للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما هم عليه لأنهم تابعون للهلاك المحض ، تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء منها ، ومعلوم أنه لا يترك أحد الدليل في الفيافي العطشة الذي إن تركه هلك إلا قهراً ؛ وأن الناس هيئوا لطريق الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم بسلامة الفطر واستقامة العقول ، وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى القهر وأن يفعلوا شيئاً بغير اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم والعظمة.