قلت: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها، ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات، ليركزه في قلوبهم، كى يغرسه في صدورهم.
قال الجمل:""
«فإن قلت» : لم ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ثانيا؟
قلت: ذكر الخشية التي تحملها القلوب مستلزم لذكر القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم في أول الأمر، فإذا ذكروا الله تعالى وذكروا رحمته وسعتها، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم. .
والخلاصة أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين، أنهم يجمعون عند قراءتهم أو سماعهم للقرآن الكريم بين الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله تعالى والرجاء في رحمته ومغفرته، إذ أن إقشعرار الجلود كناية عن الخوف الشديد، ولين الجلود والقلوب كناية عن السرور والارتياح، وعدى الفعل"تلين"بإلى لتضمينه معنى تسكن وتطمئن.
ومفعول {ذِكْرِ الله} محذوف للعلم به، أي: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله رحمته وثوابه وجنته.
قال ابن كثير ما ملخصه: هؤلاء المؤمنون يخالفون غيرهم من وجوه:
أحدها: أن سماع هؤلاء تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات.
الثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا، بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، ولم يكونوا - كغيرهم - متشاغلين لاهين عنها.
الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها... . ولم يكونوا يتصارخون ويتكلفون ما ليس فيهم.
قال قتادة عند قراءة لهذه الآية: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأنهم تقشعر جلودهم وتبكى أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.
(قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(28)
وقوله - سبحانه - {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ...} ثناء آخر منه تعالى على كتابه الكريم.
والجملة الكريمة حال مؤكدة من قوله قبل ذلك: {هذا القرآن...}
أي: هذا القرآن قرآنا عربيا لا لبس فيه ولا اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.
{غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي: مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف.
«فإن قلت» : فهلا قيل مستقيما، أو غير معوج؟
قلت: فيه فائدتان: