قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به لتحرز به قصب السبق في الدين شيء آخر، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه، ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين، انتهى.
{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) }
فإن قلت: ما فائدة التكرار في قوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) } ، وفي قوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) } ؟
قلت: هذا ليس بتكرار؛ لأن:
الأول: الإخبار بأنه مأمور من جهة الله تعالى، بالإتيان بالعبادة والإخلاص.
والثاني: أنه إخبار بأنه أمر أن يخص الله تعالى، وحده بالعبادة، ولا يعبد أحدًا غيره، مخلصًا له دينه؛ لأن قوله: {أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ} لا يفيد الحصر، وقوله: {اللَّهَ أَعْبُدُ} يفيد الحصر. والمعنى: الله أعبد ولا أعبد أحدًا غيره.
والحاصل: أنه سبحانه أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
أولًا: بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فيها.
وثانيًا: بأن يخبرهم بأنه مأمور، بأن يكون أول من أسلم وأطاع وانقاد.
وثالثًا: بأن يخبرهم بخوفه من العذاب، على تقدير العصيان.
ورابعًا: بأن يخبرهم، بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد الله تعالى، وأخلص له الدين، على أبلغ وجه وآكده، إظهارا لتصلبه في الدين، وحسمًا لأطماعهم الفارغة، وتمهيدًا لتهديدهم بقوله: {فَاعْبُدُوا ...} إلخ؛ أي: قد امتثلت أنا ما أمرت به، فاعبدوا يا معشر المشركين {ما شِئْتُمْ} قال في «الإرشاد» : وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه، أمروا به كي يحل بهم العقاب.
{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) }
فإن قلت: كيف يقسو القلب عن ذكر الله، وهو سبب لحصول النور والهداية؟
قلت: إنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به .. قست قلوبهم عن الإيمان به، قيل: إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر، كدرة العنصر بعيدة عن قبول الحق، فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة، كحر الشمس، يلين الشمع ويعقد الملح، فكذلك القرآن يلين المؤمنين عند سماعه، ولا يزيد الكافرين إلا قسوةً.
قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة.