فإن قلت: قال هنا: {أَوَلَمْ يَرَوْا} بلفظ الرؤية، وفي الزمر {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا} بلفظ العلم، فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: الفرق بينهما: أن بسط الرزق مما يرى، فناسبه ذكر الرؤية، وما في الزمر تقدمة {أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} فناسبه ذكر العلم.
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ... (46) }
فإن قلت: لم أسقط هنا لفظة {فِيهِ} حيث قال: {وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} ، وزادها في الجاثية حيث قال: {لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ} فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: الفرق بينهما: أن ما هنا لم يتقدمه مرجع الضمير وهو البحر، وهناك تقدم مرجعه حيث قال: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ} .
قال الزمخشري:
فإن قلت: بما يتعلق {وَلِيُذِيقَكُمْ} ؟
قلت: فيه وجهان: أن يكون معطوفًا على {مُبَشِّرَاتٍ} على المعنى، كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم، وأن يتعلق بمحذوف، تقديره: وليذيقكم، وليكون كذا وكذا أرسلناها، انتهى.
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ... (54) }
فإن قلت: كيف قال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} مع أن الضعف صفة ومعنى من المعاني، والمخاطبون لم يخلقوا من صفة، بل من عين وهي الماء، أو التراب؟
قلت: المراد بالضعف: الضعيف، من إطلاق المصدر على اسم الفاعل، كقولهم رجل عَدْلٌ؛ أي: عادل، فمعناه من ضعيف وهو النطفة.
{فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) }
فإن قلت: كيف قال هنا ذلك مع قوله في فصلت: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} حيث جعلهم هنا مطلوبًا منهم الإعتاب، وجعلهم ثَمَّ طالبين له؟
قلت: معنى قوله هنا: {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ؛ أي: ولا هم يقالون عثراتهم بالرد إلى الدنيا، ومعنى قوله: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} ؛ أي: إن يستقيلوا .. فما هم من المقالين، فلا تنافي.
{وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) }
فإن قلت: لم أفرد الخطاب في قوله: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ} وجمعه في قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} ؟