ثم إنّ قوله تعالى {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} فيه تبشير وإنذار؛ لأنه إذا كان عالماً بأحوال الخلق يكون عالماً بأحوال المخلوق فإن عملوا خيراً علمه، وإن عملوا شرّاً علمه، ثم إذا كان قادراً وعلم الخير أثاب وإذا علم الشرّ عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللذين هما بالقدرة والعلم قدم العلم، وأمّا الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) }
{وَلَن} اللام لام قسم {جِئْتَهُمْ} يا أفضل الخلق {بِآيَةٍ} مثل العصا واليد لموسى عليه السلام {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} منهم {إن} أي: ما {أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي: أصحاب أباطيل.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم وحد في قوله تعالى {جِئْتَهُمْ} وجمع في قوله تعالى {إِنْ أَنتُمْ} ؟
أجيب: بأنَّ ذلك لنكتة وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ} أي: جاءت بها الرسل فقال الكفار: ما أنتم أيها المدّعون الرسالة كلكم إلا كذا.
وقال الجلال المحلي: إن أنتم أي: محمد وأصحابه، وأمّا الذين آمنوا فيقولون نحن بهذه الآية مؤمنون.
{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}
توحيد الله.
«فَإِنْ قِيلَ» : من لا يعلم شيئاً أي: فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه؟
أجيب: بأنَّ معناه أنَّ من لا يعلم الآن فقد طبع على قلبه من قبل.
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ}
أي: الذي له الكمال كله بنصرك وإظهار دينك على الدين كله وفي كل ما وعد به {حق} أي: ثابت جدّاً يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان وتأتي به مطايا الحدثان.