أجيب: بأن فائدته أنه من قبل لم يذكر دليلاً على الأصلين وهاهنا قد ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة، ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل. فبعد الدليل لا بد أن يؤمن من ذلك جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل: و {إِنَّ كَثِيراً} وقال قبله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} لأنه بعد الدليل لا يمكن الذهول عنه وهو السماوات والأرض، لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته، فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمثالهم وحكاية أشكالهم فقال: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأَرْضِ} أي: سير اعتبار.
{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ}
وقوله تعالى {السُّوءَى} تأنيث الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم إن عاقبتهم السوأى، إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، أي: العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي جهنم التي أعدت للكافرين.
{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم}
أي: نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعاً {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} قيلولة {وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما فإن كثيراً ما يكسب الإنسان بالليل، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار خلف، وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين وهما الواوان إشعاراً بأنَّ كلاًّ من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة، ويؤيده آيات أخر كقوله تعالى {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} (النبأ: 10 - 11)
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} (الإسراء: 12)