قال هاهنا: (كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) وَقَالَ مِنْ قَبْلُ: (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) [الروم: 6] وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ قَبْلُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا على الأصلين، وهاهنا قَدْ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ الْوَاضِحَةَ وَالْبَرَاهِينَ اللَّائِحَةَ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ بَعْدَ الدَّلِيلِ أَكْثَرُ مِنَ الْإِيمَانِ قَبْلَ الدَّلِيلِ، فَبَعْدَ الدَّلَائِلِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْمِنَ مِنْ ذَلِكَ الْأَكْثَرِ جَمْعٌ فَلَا يَبْقَى الْأَكْثَرُ كَمَا هُوَ، فَقَالَ بَعْدَ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ (وَإِنَّ كَثِيرًا) وَقَبْلَهُ (وَلكِنَّ أَكْثَرَ) «1» ثُمَّ بَعْدَ الدَّلِيلِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الذُّهُولُ عَنْهُ، وَالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وإن أمكن هو السماوات وَالْأَرْضُ لِأَنَّ مِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يَذْهَلَ الْإِنْسَانُ عَنِ السَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَهُ وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، ذكر مَا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وَهُوَ أَمْرُ أَمْثَالِهِمْ وحكاية أشكالهم.
(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ(10)
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ لَطَائِفُ:
إِحْدَاهَا: قَالَ فِي حَقِّ الَّذِينَ أَحْسَنُوا: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى) وَقَالَ فِي حَقِّ مَنْ أَسَاءَ: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساءُوا السُّوأى) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَنَّةَ لَهُمْ مِنَ ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْحُسْنَى اسْمُ الْجَنَّةِ وَالسُّوأَى اسْمُ النَّارِ، فَإِذَا كَانَتِ الْجَنَّةُ لَهُمْ وَمِنْ الِابْتِدَاءِ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ كُلَّمَا يَزْدَادُ وَيَنْمُو فِيهِ فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ مِلْكَ الْأَصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فَالْجَنَّةُ مِنْ حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وَتَنْمُو للمحسنين، وأما الذين أساءُوا، فالسوأى وَهِيَ جَهَنَّمُ فِي الْعَاقِبَةِ مَصِيرُهُمْ إِلَيْهَا.