فتركته جزر السباع ينشنه ...
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: تركتهم غير مفتونين ، لقولهم آمنا ، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام؟ فإن قلت: {أن يقولوا} هو علة تركهم غير مفتونين ، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت: كما تقول: خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب ، وقد كان التأديب والمخافة في قوله: خرجت مخافة الشر وضربته تأديباً ، تعليلين.
وتقول أيضاً: حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب ، فتجعلها مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبراً.
انتهى ، وهو كلام فيه اضطراب.
ذكر أولاً أن تقديره غير مفتونين تتمة ، يعني أنه حال ، لأنه سبك ذلك من قوله: {وهم لا يفتنون} ، وهذه جملة حالية.
ثم ذكر {أن يتركوا} هنا من الترك الذي هو من التصيير ، وهذا لا يصح ، لأن مفعول صير الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم ، إذ يصير التقدير أن يصيروا لقولهم: {وهم لا يفتنون} ، وهذا كلام لا يصح.
وأما ما مثل به من البيت فإنه يصح ، وأن يكون جزر السباع مفعولاً ثانياً لترك بمعنى صير ، بخلاف ما قدر في الآية.
وأما تقديره تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا ، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام ، فلا يصح ؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم ، كان غير مفتونين حالاً ، إذ لا ينعقد من تركهم ، بمعنى تصييرهم ، وتقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم ، بمعنى تصييرهم ، إلى مفعول ثان ، لأن غير مفتونين عنده حال ، لا معفول ثان.
وأما قوله: فإن قلت {أن يقولوا} إلى آخره ، فيحتاج إلى فضلة فهم ، وذلك أن قوله: {أن يقولوا} هو علة تركهم فليس كذلك ، لأنه لو كان علة له لكان متعلقاً ، كما يتعلق بالفعل ، ولكنه علة للخبر المحذوف الذي هو مستقر ، أو كائن ، والخبر غير المبتدأ.
ولو كان لقولهم علة للترك ، لكان من تمامه ، فكان يحتاج إلى خبر.
وأما قوله: كما تقول خروجه لمخافة الشر ، فلمخافة ليس علة للخروج ، بل للخبر المحذوف الذي وهو مستقر ، أو كائن.