الجواب أن يقال: إن الآية من سورة آل عمران مبنية على تداخل الأخبار لأن أولها: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} ، ف «أولئك» مبتدأ «وجزاؤهم» مبتدأ ثان، «ومغفرة» خبر المبتدأ الثاني، وهو مع خبره خبر المبتدأ الأول، والجزاء: هو الأجر فكأنه قال: أولئك أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم وإدامة نعيمهم، وهذا الأجل مفضل على كل أجر يعطاه عامل على عمله، فنسقت الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي هدفت لرجاء الراجين، وأكملت بها منية المتمنين، والخبر إذا جاء بعد خبر في مثل هذا المكان الذي تفضل فيه المواهب المرغب فيها، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو، وكقولك: هذا الجزاء كذا وكذا أي: هو ترك المؤاخذة بالذنب، والتنعيم في جنة الخلد، وتفضيله على
كل جزاء جوزي به عامل، وذلك تشريف وكرامة وأما الآية التي في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبني على أن يدرج الكلام فيه على جملة واحدة وهي: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً} فقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} مبتدأ وقوله:
{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} في موضع خبره فهذا الخبر يتصل به مفعولان الأول: هم، والثاني قوله:
غرفا، وغرفا نكرة موصوفة بقوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا}