وهكذا إلى أن تأتي العبر الأخيرة في السورة إذ ينادي الله تعالى على عباده المؤمنين، يا من تريد الإيمان حقاً لا تتقيد بأرض ولا تتقيد بوطن، إنما تقيد بدينك، وطنك حيث كان دينك"يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ"أي اعبد الله في أي أرض ولا تضيق على نفسك، وهذا التوجيه الرباني يشير إلى مدى ما في القرآن من سلام اجتماعي بين أفراد البشرية، من سلامٍ اجتماعي عند المسلمين والإسلام، لم يأمر الله تعالى بمقاتلة من ضيَّق علينا ديننا بقدر ما أمرنا أن ننتشر في البلاد، هذه الأرض ضاقت بنا فلننطلق إلى أرض أخرى، وكان بإمكان الله تبارك وتعالى أن يأمر أهل مكة من المؤمنين أن يواجهوا الكافرين مهما كانت العواقب، قاتلوهم، عذبوهم، لكن أمر بذلك حين ذهبوا إلى المدينة فكان الكافرون ينهالون عليهم من كل مكان، فمن جاءنا من بلده إلى بلدنا ليقاتلنا ماذا نفعل معه؟ لابد أن نرد عن أنفسنا ذلك العدوان، لكن حين كانوا معاً في مكة أمر الله المؤمنين بالصبر، أمرهم بالإعراض عن أذى المشركين، أمرهم بالانتظار، أمرهم بالتحمل والالتزام، ومن السلام في الإسلام أن الله يقول"يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ"يعني إن ضُيق عليكم في أرضٍ فأرضي أنا، أنا الخالق أرضي أنا واسعةٌ وهي تحت أمركم انطلقوا فيها"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا"انطلق في الأرض واعبد الله حيث استطعت، ولم يأمر بمقاتلة من ضيق على دين الله ولنتركه لله، وكما قلنا مع هذا التوجيه وهذا الأمر يخشى الإنسان على عمره أولاً فإن السفر مخطرة ومخاطرة بالنسبة وخاصةً قديماً، ثم إذ رزقنا الحياة وبقينا أحياء فربما نموت في هذا الطريق الوعر المجهول، لا، لا تخشى على عمرك"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ"بين أهلك ستموت، بعيداً عنهم ستموت، وحدك ستموت، في كل مكانٍ"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"، تخشى على رزقك، لا، فالرزق بيد الله عز وجل"وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا"