كما قال تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 45 - 46] فمن أجاب الدعوة بالرغبة فسؤاله سؤال المحبة ومن لم يجب الدعوة إلا بألوهية فسؤاله سؤال الهيبة، فلا تبقي لهم تميز لهم ولا قوة عقل ولا مكنة جواب.
{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} [القصص: 66] لا يحتجون بحجةٍ لاستيلاء الحيرة عليهم واستكان المدهش منهم فلا نطق ولا عقل ولا تمييز ولا فهم {فَأَمَّا مَن تَابَ} رجع إلى الحضرة على قدمي المحبة وصدق الطلب {وَآمَنَ} بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة إلى الله، {وَعَمِلَ صَالِحاً} ليتمسك بذيل متابعة دليل كامل واصل صاحب قوة وقدرة يوصله إلى الله تعالى {فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} الفائزين عن أسرار النفس المخلصين من حبس الأنانية إلى فضاء وسعة من الهوية.
ثم أخبر عن المختار لنيل هذه الأسرار بقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [القصص: 68] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] يشير إلى مشيئته الأزلية في الخلق والاختيار في خلق، وأنه مختار يخلق ما يشاء كيف يشاء ثم يشاء ولا يشاء متى يشاء وله الاختيار في خلق الأشياء، فيختار وجود بعض الأشياء على عدمه فيوجده، ويختار عدم بعض الأشياء على وجوده فيعدم، ويختار بقاء بعض الأشياء في الوجود فيجعله باقياً ولا يفنيه، ويختار بعض الأشياء في العدم فينشئه فانياً في العدم ولا يوجده.