وبقوله {وَلَكِنْ رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} يشير إلى أن ما أنعمنا به عليك وعلى أمتك في النداء بجانب الطور مباهاة بك وبأمتك على موسى وأمته لم يكن لكسبكم وسعيكم فيه مساعاً، ولكن كان رحمة خاصة من ربك أي: من كرم ربك ونعمة عليك وعلى أمتك ومن نتائج تلك الرحمة أنه لو لم أسمعهم ندائي وأمتك في العدم بلا هم لم استعدوا لقبول إنذار أمر دعوتك لهم إلى التوحيد في الوجود إذ لم يكونوا متعودين بدعوة الأنبياء ولا بقبول دعوتهم وذلك قوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] يعني: يتذكرون من خلاصة استماع نجائنا واستعداد أجابتنا فيما ناديناهم وإنما أفردهم بالنداء دون محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا محتاجين إلى تصرف خصوصية النداء فيهم لا محمد صلى الله عليه وسلم لكمال استعداده الفطري بخصوصية حبيب الإلهية.
ثم قال: {وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} [القصص: 47] أي: مصيبة الجحود في قبول الدعوة إلى التوحيد {فَيَقُولُواْ} بلسان الحال {رَبَّنَا لَوْلَا} أي: هلا {أَرْسَلْتَ} نداءك {إِلَيْنَا} أي: إلى أسماعنا ونحن في العدم نستعد لقبول الدعوة في الوجود {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} في قبول دعوة نبيك {وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الذين جعلتهم مستعدين للإيمان وقبول الدعوة وهم في العدم وجواب {لَوْلَا} محذوف تقديره لولا أن تقتضي العناية الأزلية في حق هذه الأمة دفع حجتهم علينا ما ناديناهم وهم في العدم وما أٍمعناهم نداءنا ولم نوفقهم وهم بلا هم لإجابة ندانا ثم أخبر عمن لم تدركهم العناية في البداية بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ} [القصص: 48] .