{كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} أي مقيماً بينهم كشعيب وموسى {تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص: 45] كما كان شعيب وموسى يتلوان عليهم كتبنا المنزلة إذا أخذت من شعيب وقومه ميثاقهم أن يؤمنوا بك وما كتب بعد الرسول المرسل {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} الذي أخذنا منهم ميثاقهم للإيمان بك، وما كتب بعد الرسول المرسل بك وهذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار العناية في حقه بما لم يكن مع نبي آخر، ومما كان الرسل يتلون على أممهم من آيات ربهم نعت نبينا صلى الله عليه وسلم بالثناء الجميل، وذكر الله بحسن السيرة كرامةً لهم في غيبيتهم.
كما قال: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} [القصص: 46] يعني حين سأل موسى ربه: إني أرى في التوراة أمة صفتهم كذا وكذا من هم؟ فقال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى سأل عن أوصاف كثيرة وعن الجميع كان يجيب أنه أمة محمد فاشتاق موسى إلى لقائهم فقال: إنه ليس اليوم وقت ظهورهم فإن شئت أسمعتك كلامهم كما مر ذكره ثم نادى فقال: يا أمة محمد فيه إشارة لطيفة وهي أن الله عز وجل لكرامة محمد صلى الله عليه وسلم وشرفه أخذ الميثاق من موسى للإيمان به في غيبته وفي حضور موسى ما نادى محمداً لأجله بل نادى أمته له ومن عليه باستماع كلامهم إياه وكما نادى موسى في الوجود حاضراً نادى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم في العدم غائبين فهو كائن لهم حين لم يكونوا لأنفسهم كما قيل:
كُنْ لي كما كُنْتَ ... في حالِ لم أكُنِ