وبذلك تتضح مقومات شخصية رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، وكذلك الأمر في قوله تعالى مخاطباً رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) : {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ} ، فهي آية دالة على أن الله يصطفي من رسله من يشاء عن غير استعداد نفسي منهم كما يقول بعض الفلاسفة والعقلانيين والملاحدة الذين جعلوا الرسالة اصطفاء عقلياً فبان بذلك فضل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) .
وكذلك قوله تعالى لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) آمراً فإن المأمور من الله تعالى مستلزم لشرفه وفضله (تَكُونَنَّ) (لا يصدنك) (ادع) (لا تدع) فكلها أشرف خطاب لأشرف الرسل عليهم وعليه أفضل الصلاة والسلام.
وبذلك كله يمكن أن تصور رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على ما أسلفنا.
المطلب الخامس: المناسبة بين رسالة الرسول مُحَمَّد (- صلى الله عليه وسلم -) ورسالة سيدنا موسى (- عليه السلام -) كما جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ
لقد جاءت سورة القصص في فترة نزولها المكية لتؤكد جانباً مهماً من الجوانب الإيمانية التي نبه عليها المفسرون القدماء منهم والمحدثون ألا وهو جانب المناسبة، بمعنى (التناسب الإيماني) بين الرسالة المحمدية وبين الرسالة الموسوية، ولعل مما يوضح ذلك قول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي ) ).
لذلك اشتدت عناية بعض حاقدي اليهود ومبشري النصارى بتحليل سورة القصص لإثبات كونها مأخوذة من سفر الخروج وسفر تثنية الاشتراع.
وقد لاحظنا من خلال تحليلنا لسورة القصص أنها تشكل رابطاً خفياً لا يكاد ينتبه إليه أحد في العلاقة بين رسالة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ورسالة موسى (- عليه السلام -) . وهو اتحاد القضيتين في المبنى والمعنى والدلالة.
ويكفي في إثبات ذلك أن المناسبة هاهنا تكمن في وجود روابط خفية في السورة بين أولها وآخرها تدلّ على ذلك، وأن هيمنة الرواية القرآنية على المرويات الإسرائيلية (المنحولة) أمر قد غدا في حكم المسلمات العلمية التي تثبت بالبراهين والأدلة.