87 -ثم شدد عزمه وقواه بأن لا يأبه بمخالفتهم، فقال: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ} ؛ أي: لا يصرفنك ويمنعنك الكافرون {عَنْ آيَاتِ اللَّهِ} ؛ أي: عن قراءتها، والعمل بها {بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ} تلك الآيات القرآنية {إِلَيْكَ} وقرئت عليك، وذلك حين دعوه - صلى الله عليه وسلم - إلى دين آبائهم، وتعظيم أوثانهم، والموافقة إلى أباطيلهم؛ أي: ولا تبال بهم، ولا تهتم بمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقتك، فإن الله معك، ومؤيدك، ومظهر دينك وما أرسلك به على سائر الأديان.
قرأ الجمهور: بفتح الياء وضم الصاد من صده يصده، وشددوا النون، ويعقوب كذلك، إلا أنه خففها، وقرئ: {يصدنك} بضم الياء وكسر الصاد، من أصده بمعنى صده، حكاه أبو زيد عن رجل من كلب. وقال الشاعر:
أُنَاسٌ أَصَدُّوْا النَّاسَ بِالْسَّيْفِ عَنْهُمُ ... صُدُوْدَ السَّوَاقِيْ عَنْ أُنُوْفِ الْحَوَائِمِ
ثم أمره أن يصدع بالدعوة، ولا يألوا جهدًا في تبليغ الرسالة. فقال: {وَادْعُ} الناس كافة {إِلَى رَبِّكَ} ؛ أي: إلى توحيده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ أي: وبلغ رسالة ربك إلى من أرسلك إليهم، واعبده وحده لا شريك له {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بمساعدتهم في الأمور، وفيه تعريض بغيره، كما تقدم، لأنه - صلى الله عليه وسلم - يكون من المشركين بحال من الأحوال لكونه معصومًا، والمعنى: ولا تتركن الدعاء إلى ربك، وتبليغ المشركين رسالتك، فتكون ممن فعل فعل المشركين بمعصيته، ومخالفة أمره.
88 -ثم فسر هذا، وبينه بقوله: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} ؛ أي: ولا تعتمد على غير الله، ولا تتخذ غيره وكيلًا في أمورك، وهذا تعريض أيضًا لغيره من الأمة.
فَإِنْ قُلْتَ: النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معصومًا من أن يدعو مع الله إلهًا آخر فما فائدة هذا النهي؟
قلت: الخطاب معه - صلى الله عليه وسلم - المراد به غيره، وقيل معناه لا تتخذ غيره وكيلًا على أمورك كلها ولا تعتمد غيره، كما مر آنفًا في حلِّنا.