{لَا إِلَهَ} ؛ أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع {إِلَّا هُوَ} سبحانه وحده {كُلُّ شَيْءٍ} من الإنسان والحيوان والجن والشياطين والملك ونحوها {هَالِكٌ} ؛ أي: معدوم فان زائل في حد ذاته، فإن وجوده كلا وجود؛ لأن وجوده ليس ذاتيًا {إِلَّا وَجْهَهُ} ؛ أي: ذاته سبحانه وتعالى، فإنه تعالى واجب الوجود وكل ما عداه ممكن في حد ذاته عرضة للهلاك والعدم، والوجه يعبر به عن الذات، وقال أبو العالية وسفيان: كل شيء فان إلا ما أريد به وجهه من الأعمال؛ أي: ما يقصد إليه بالقربة. قال الشاعر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
والمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية أشياء نظمها السيوطي في قوله:
ثَمَانِيَةٌ حُكْمُ الْبَقَاءِ يَعُمُّهَا ... مِنَ الْخَلْقِ وَالْبَاقُوْنَ فِيْ حَيِّزِ الْعَدَمْ
هِيَ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَنَارٌ وَجَنَّةٌ ... وَعَجْبٌ وَأَرْوَاحٌ كَذَا اللَّوْحُ وَالْقَلَمْ
{لَهُ} سبحانه لا لغيره {الْحُكْمُ} ؛ أي: القضاء النافذ في الخلق في الأولى والآخرة {وَإِلَيْهِ} تعالى، لا إلى غيره {تُرْجَعُونَ} ؛ أي: تردون أيها الخلائق عند البعث من القبور، وليجزى المحسن لإحسانه، والمسيء لإساءته.
وقرأ عيسى: {تُرْجَعُونَ} مبنيًا للفاعل. والجمهور مبنيًا للمفعول، ومعنى الآية: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} ؛ أي: ولا تعبد أيها الرسول مع الله - الذي له عبادة كل شيء - معبودًا آخر سواه.
ثم علل هذا بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ؛ أي: لأنه لا معبود تصلح له العبادة إلا الله، ونحو الآية قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) } .
ثم بيَّن صفاته تعالى، فقال:
1 - {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ؛ أي: هو الدائم الباقي الحي القيوم الذي لا يموت إذا ماتت الخلائق، كما قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } .
وقد ثبت في"الصحيح"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -:"أصدق كلمة قالها لبيد":