لكن ، هل ثواب الحسنة مقصور فقط على الآخرة ، أم أن الدين بقضاياه جاء لسعادة الدنيا وسعادة الآخرة؟ فما دام الدين لسعادة الدارين فللحسنة أثر أيضاً في الدنيا ، لكن مجموعها يكون لك في الآخرة .
وهذه الآية جاءت بعد الحديث عن قارون ، وبعد أن نصحه قومه ، وجاء في نصحهم: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ...} [القصص: 77] إذن: فطلبهم أن يُحسن كما أحسن الله إليه جاء في مجال ذكر الحسنة ، والحسنة أهي الشيء الذي يستطيبه الإنسان؟ لا ، لأن الإنسان قد يستطيب الشيء ثم يجلب عليه المضرة ، وقد يكره الشيء ولا يستطيبه ، ويأتي له بالنفع .
فمن إذن الذي يحدد الحسنة والسيئة؟ ما دام الناس مختلفين في هذه المسألة ، فلا يحددها إلا الله تعالى ، الذي خلق الناس ، ويعلم ما يُصلحهم ، وهو سبحانه الذي يعلم خصائص الأشياء ، ويعلم ما يترتب عليها من آثار ، أما الإنسان فقد خلقه الله صالحاً للخير ، وصالحاً للشر ، يعمل الحسن ، ويعمل القبيح ، وربما اختلطت عليه المسائل .
لذلك يقولون في تعريف الحسنة: هي ما حسَّنه الشرع ، لا ما حسَّنْتها أنت ، فنحن مثلاً نستسيغ بعض الأطعمة ، ونجد فيها متعة ولذة ، مع أنها مُضرة ، في حين نأنف مثلاً من أكل الطعام المسلوق ، مع أنه أفيد وأنفع ؛ لذلك يقول تعالى في صفة الطعام:
{فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ...} [النساء: 4] لأن الطعام قد يكون هنيئاً تجد له متعة ، لكنه غير مريء ويُسبِّب لك المتاعب بعد ذلك .
الحق سبحانه يقول هنا: {مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ...} [القصص: 84] فالحسنة خير ، لكن ، الثواب عليها خيرٌ منها أي: أخير ؛ لأنه عطاء دائم باقٍ لا ينقطع ، أو خير يأتيك بسببها . كما يقول أصحاب الألغاز واللعب بالكلمات: محمد خير من ربه ، والمعنى: خير يصلنا من الله ، ولا داعي لمثل هذه الألغاز طالما تحتمل معنى غير مقبول .