وفي قوله تعالى: {فَلا يَجْزِى} الخ دون فللذين عملوا السيئات ما كانوا يعملون أو فما للذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون إشارة إلى أنه قد يحصل العفو عن العقاب ، ولله تعالى در التنزيل ما أكثر أسراره ، واستشكل ما تدل عليه الآية من أن جزاء السيئة مثلها بأن من كفر فمات على الكفر يعذب عذاب الأبد ، وأين هو من كفر ساعة؟ وأجيب بأن أمر المماثلة مجهول لنا لا سيما على القول بنفي الحسن والقبح العقليين للأفعال ، وقصارى ما نعلم أن الله تعالى جعل لكل ذنب جزاء أخبر عز وجل أنه مماثل له ، وقد أخبر سبحانه أن جزاء الكفر عذاب الأبد فنؤمن به وبأنه مما تقتضيه الحكمة وما علينا إذا لم نعلم جهة المماثلة ووجه الحكمة فيه ، وكذا يقال في الذنوب التي شرع الله تعالى لها حدوداً في الدنيا كالزنا وشرب الخمر وقذف المصن وحدودها التي شرعها جل شأنه لها فإنا لا نعلم وجه تخصيص كل ذنب منها بحد مخصوص من تلك الحدود المختلفة لكنا نجزم بأن ذلك لا يخلو عن الحكمة ، وأجاب الإمام عن مسألة الكفر وعذاب الأبد بأن ذلك لأن الكافر كان عازماً أنه لو عاش إلا الأبد لبقي على ذلك الكفر ، وقيل: في وجه تعذيب الكافر أبد الآباد إن جزاء المعصية يتفاوت حسبل تفاوت عظمة المعصى فكلما كان المعصى أعظم كان الجزاء أعظم ، فحيث كان الكفر معصية من لا تتناهي عظمته جل شأنه كان جزاؤه غير متناع ، وقياس ذلك أن يكون جزاء كل معصية كذلك إلا أنه لم يكن كذلك فيما عدا الكفر فضلاً منه تعالى شأنه لمكان الإيمان ، وقيل أيضاً: إن كل كفر قولاً كان أو فعلا يعود إلى نسبة النقص إليه عز وجل المانفي لوجوب الوجود المقتضى لوجوده سبحانه أزلا وأبداً وإذا توهم هناك زمان ممتد كان غير متناه فحيث كان الكفر مستلزماً نفي وجوده تعالى شأنه فيما لا يتناهى كان جزاؤه غير متناه ولا كذلك سائر المعاصي فتدبر.
{إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان}