والمعنى: قال سليمان - عليه السلام - ردًّا على الهدهد فيما اعتذر به عن غيابه عن مكانه بين الطير بغير إذنه - قال: سنتحرى ونعرف أصدقت فما قلت؟ أم أَنك كنت من جملة أهل الكذب الممعنين فيه؟ والعدول عن التعبير بقوله: أصدقت أَم كذبت إلى قوله: {أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} للإيذان بأَن كذبه بهذا الأُسلوب المنسق، ومع نبي الله سليمان يقتضي إيغاله في الكذب، وانتظامه في سلك المتعمقين فيه إن لم يكن له ما يصدقه.
وفي هذا الأُسلوب دليل على أَن الإِمام يجب عليه أن يتحرى عند الاعتذار قبل أَن ينزل العقوبة بمن ظاهره الخطأ، فربَّما كان صادقًا في اعتذاره، وفي الصحيح:"لا أحد أحب إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل".
28 - {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا ... } الآية.
الأمر بالذهاب للهدهد، واختصه به لأَنه صاحب العذر. وقوله: {بِكِتَابِي هَذَا} يدل على أن سليمان - عليه السلام - أعدّ الكتاب بعد أن أَخبره الهدهد بقصة أهل سبأ.
والمعنى: توجه بكتابي هذا الحاضر بين يديّ إلى الملكة بلقيس ومن هم على دينها من قومها فأَلقه إليهم، وادفعه لهم، ثم تنَحَّ عنهم إلى مكان تختفى فيه عن أَبصارهم وتسمع كلامهم، ثم انظر وتعرف ما يجيبون، وما يرد بعضهم به على بعض، وما يجرى بينهم من مراجعة وحوار حول مضمون هذا الكتاب.
وقد جرى الأُسلوب بضمير الجمع لأَن مضمون الكتاب دعوتهم جميعًا إلى الإِسلام وفي قوله: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} توجيه إلى الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه الرسل في معاملة الملوك، مع تنبيههم إلى اليقظة، وحدة الانتباه.
{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) }
المفردات:
{الْمَلَأُ} : أشراف القوم وأَصحاب الرأى فيهم.
{كَرِيمٌ} : لكرم مضمونه، أَو لشرف مرسله. {تَعْلُوا عَلَيَّ} : تتكبروا وتتجبروا.
{مُسْلِمِينَ} : مؤمنين، أو منقادين طائعين.
التفسير
29 - {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} :