ثمَّ تَأمل هَذِه النملة الضعيفة وَمَا أعطيته من الفطنة أوْ لحيلة فِي جمع الْقُوت وادخاره وَحفظه وَدفع الآفة عَنهُ، فَإنَّك ترى فِي ذَلِك عبرا وآيات فترى جمَاعَة النَّمْل إِذا أَرَادَت إِحْرَاز الْقُوت خرجت من أسرابها طالبة لَهُ، فَإِذا ظَفرت بِهِ أخذت طَرِيقا من أسرابها إليه وشرعت فِي نَقله فتراها رفقتين رفْقَة حاملة تحمله إلى بيوتها سربا ذَاهِبًا ورفقة خَارِجَة من بيوتها إليه لا تخالط تِلْكَ فِي طريقها بل هما كالخيطين بِمَنْزِلَة جمَاعَة النَّاس الذاهبين فِي طَرِيق وَالْجَمَاعَة الراجعين من جانبهم، فَإِذا ثقل عَلَيْهَا حمل الشَّيْء من تِلْكَ اجْتمعت عَلَيْهِ جمَاعَة من النَّمْل وتساعدت على حَملَة بِمَنْزِلَة الْخَشَبَة وَالْحجر الَّذِي تتساعد الفئة من النَّاس عَلَيْهِ، فَإِذا كَانَ الَّذِي ظفر بِهِ مِنْهُنَّ وحدة ساعدها رفقتها عَلَيْهِ إلى بَيتهَا وخلوا بَينهَا وَبَينه، وَإِن كَانَ الَّذِي صادفه جمَاعَة تساعدن عَلَيْهِ ثمَّ تقاسمنه على بَاب الْبَيْت.
وَلَقَد أخبر بعض العارفين أنه شَاهد مِنْهُنَّ يَوْمًا عجبا قَالَ:
رأيت نملة جَاءَت إلى شقّ جَرَادَة فزاولته فَلم تطق حمله من الأرض، فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جَاءَت مَعهَا بِجَمَاعَة من النَّمْل قَالَ فَرفعت ذَلِك الشق من الأرض، فَلَمَّا وصلت النملة برفقتها إلى مَكَانَهُ دارت حوله ودرن مَعهَا فَلم يجدن شَيْئا فرجعن فَوَضَعته ثمَّ جَاءَت فصادفته فزاولته فَلم تطق رَفعه، فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جَاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول مَكَانَهُ فَلم يجدن شَيْئا فَذَهَبت فَوَضَعته فَعَادَت فَجَاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول الْمَكَان، فَلَمَّا لم يجدن شَيْئا تحلقن حَلقَة وجعلن تِلْكَ النملة فِي وَسطهَا ثمَّ تحاملن عَلَيْهَا فقطعنها عضوا عضوا، وَأَنا أنْظُر.
وَمن عَجِيب أمر الفطنة فِيهَا إِذا نقلت الْحبّ إِلَى مساكنها كَسرته، لِئَلَّا ينْبت فَإِن كَانَ مِمَّا ينْبت الفلقتان مِنْهُ كَسرته أربعا، فَإِذا أصابه ندى وبلل وخافت عَلَيْهِ الْفساد أخرجته للشمس، ثمَّ ترده إلى بيوتها
وَلِهَذَا ترى فِي بعض الأحيان حَبَّا كثيرا على أَبْوَاب مساكنها مكسرا ثمَّ تعود عَن قريب فَلَا ترى مِنْهُ وَاحِدَة.