وزعم أبو حيان أن فيما ذكره الزمخشري دسيسة الاعتزال ، ولا يخفى أنه ليس في كلامه أكثر من الإشارة إلى أن المؤمن العاصي لم يوقن بالآخرة حق الإيقان ، ولعل جعل ذلك دسيسة مبني على أنه بنى ذلك على مذهبه في أصحاب الكبائر وقوله فيهم بالمنزلة بين المنزلتين.
وأنت تعلم أن القول بما اختاره في الآية لا يتوقف على القول المذكور ؛ وتغيير النظم الكريم على الوجهين الأولين لما لا يخفى ، وتقديم {بالآخرة} في جميع الأوجه لرعاية الفاصلة ، وجوز أن يكون للحصر الإضافة كما في"الحواشي الشهابية".
{إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} بيان لأحوال الكفرة بعد أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها وبما فيها من الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال السيئة حسبما ينطق به القرآن {زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم} القبيحة بما ركبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوها حسنة {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} يتحيرون ويترددون والاستمرار في الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما يتبعها.
والفاء لترتيب المسبب على السبب.
ونسبة التزيين إليه عز وجل عند الجماعة حقيقة وكذا التزيين نفسه ، وذهب الزمخشري إلى أن التزيين إما مستعار للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق وإما حقيقة وإسناده إليه سبحانه وتعالى مجاز وهو حقيقة للشيطان كما في قوله تعالى: {زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم} [الأنفال: 48] .
والمصحح لهذا المجاز إمهاله تعالى الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ، والداعي له إلى أحد الأمرين إيجاب رعاية الأصلح عليه عز وجل.
ونسب إلى الحسن أن المراد بالأعمال الأعمال الحسنة وتزيينها بيان حسنها في أنفسها حالاً واستتباعها لفنون المنافع مآلاً أي زينا لهم الأعمال الحسنة فهم يترددون في الضلال والإعراض عنها.