كما قال: (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ)
هو الخلاق في [جميع] الأجسام على الدوام، وهو العليم بحيث يصير
ما أعدم منها، وذلك قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي: الأجسام منهم.
ثم قال عز من قائل: (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ(4) . كذلك هو العليم بما إليه
يؤولها ويجعل إليه عاقبتها، وهو بكل خلق عليم، عبر عن هذا الحق في الوجود
بقوله الحق في النبأ العظيم: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ
تَبْدِيلًا (28) .
يقول وهو أعلم بما يقول: وإذا شئنا أعدمناهم في هذه الحياة الدنيا بالموت،
وبدلناها في حقائقهم ومثالاتهم تبديلاً، هذا هو الحق الذي إليه مصيرنا، فاعلم.
وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للجن ليلة لقيهم وعلمهم الإسلام، وتلا
عليهم القرآن فسألوه الزاد، فقال - صلى الله عليه وسلم -:"لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوْفَرَ"
ما كان لحمًا، وكلّ بَعْرَةٍ علفٌ لِدَوَابِّكم"أي: ما يأكلونه في حياتهم هذه إلى"
الموت من حلال أحل لهم، ذلك هو الزاد الذي متعوا به في هذه إلى أن يصلوا إلى
الآخرة المقصود بسؤالهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجوابه إياهم التحليل والتحريم، وما
يجوز لهم استباحته فعلى مفهوم هذا الخطاب أن الكفار أيضًا يجدون كل عظم
مسلوبًا من لحمه أوفر ما كان لحمًا في باطن الحال عنا فأعلمهم - صلى الله عليه وسلم - بما يحل لهم
مما حرم عليهم.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)
والمؤمنون منهم لا يأكلون مما لم يذكر اسم الله عليه، والكافرون منهم ممنوع منهم
ما ذكر اسم الله عليه تحريم كون، وكما يكون العظم مسلوبًا من لحمه وهو في باطن
ذلك أوفر ما كان لحمًا، فكذلك جسم المؤمن والشهيد حي عند أهل الآخرة، وإن
كان عند أهل الدنيا على خلاف ذلك، كذلك الكافر يحيى بعد موته حال موته