أعاذنا الله الرحيم برحمته منها في الدار الآخرة - مع عدم المزج فيها وعظم قدرها
قد خلت من الرحمة، وتعقبت من الرأفة والنفسان المذكوران في هذه نزعهما الله
رحمته - جلَّ جلالُه - عن تعدي الحد المحدود لهما زائدًا إلى رحمته الموجودة عن سنة
المزج.
ومن ذلك: ما يضل بما قبله مفهوم قوله - جلَّ جلالُه -: هو(الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)والمخلوق من صاحبه من الزوجين هو
الأنثى، والمخلوق منه هو الذكر.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)
فخلق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه آدم - عليه السَّلام - من قبضة قبضها من الأرض،
صور من بساطتها خلقته الباطنة، ومن ظاهرها خلقته الظاهرة حتى سواه على ذلك،
فزوج ما خلق من هذه الخلقة هو ما ظهر منها كخلقه حواء من جملة آدم عليهما
السلام.
قال الله جل قوله وتعالى علاؤه وشأنه وحدد متصلاً بما تلوناه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
وكما خلق - جلَّ جلالُه - من كل زوج زوجه كذلك خلق لكل قرين قرينه، ولكل مثل
مثاله.
قال الله - عز وجل -: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .
وقال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ
(1) هكذا العبارة في المطبوع (وأين النار إذًا) . رُوِيَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قالوا: أَرَأَيْتُمْ قَوْلَهُ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ: عُمَرُ: أفرأيتم إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَكُونُ النهار، وإذا جاء النهار فأين يَكُونُ اللَّيْلُ؟. انتهى. (تفسير البغوي. 1/ 506) (مصحح نسخة الشاملة) .