التقوى من علم الإسلام بواسطة التقوى، وإذا صح التقوى من العبد فتح له باب
الهداية في باطنه، فانشرح لذلك صدره، وطلعت له شمس اليقين، فانجلت بها في
حقه الظلمات، وأضاء له باطنه وظاهره وما بين يديه وما خلفه.
واعلم - وفقنا اللَّه وإياكم - أنه كما لهذه الدنيا شمس يستضاء بها ويعلم بها
الليل والنهار وتتبين بها المبصرات من الأشخاص والأجرام وما يقدر تقديرها،
فكذلك الباطن له من إيمانه ويقينه شمس يميز بها الصور الباطنة المعبر عنها
بالمعاني، كالخير من الشر، والذكر من الغيبة، [والأعلى] من الأدنى، ويرى بذلك
الراجح التام من الناقص، والخبيث من الطيب، وعلى درجات ذلك في معارفه
ودقائقه.
وإذا بلغت هذه الصفة هذه الدرجة فهي الحكمة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) . أي:
الذين يتذكرون الحق الذي إليه المصير من الحق المخلوق به السَّمَاوَات والأرض.
ويومئذٍ يكون هذا الباطن سميعًا بصيرًا عاقلاً يعقل تلك من هذه، وربما ثبتت
الحكمة في هذا العبد فذاق بالغيب، وشم وأحس من مثل دبيب النمل رؤية وسماعًا
وحديثًا حتى أنه ليحس دبيب مكروه الخطوات قبل نزولها إلى لوح قلبه الذي عبر
عنه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في"
الليلة الظلماء"."
وقال الله جل من قائل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) .
وقال عز من قائل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ
مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ).
وعن هذا المعنى المعبر بقولنا هذا عبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حاله في درجته
بقوله:"إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله أزيد من سبعين مرة".
وكان هذا بوجود كونه بشرا، وبما طهره الله له، وشرح صدره، وغسل قلبه
وملأه من الحكمة والإيمان، فكان يجد ذلك على بعد ويشعر له، ومن تحقق في