وغيوبًا لا يعلمها فهو عالم بوجه من هذه الجهة، وإنما الموت كله والجهل أجمعه
عند من جهل وجهل جهله، ومن عرف علم صورة الجهل، فهو عالم عاقل، وإنما
الجاهل من جهل صورة الجهل، ومن طلب الحكمة من طريقها الذي جعله الله دركًا
لها وسبيلاً إلى معرفتها أدركها بعون الله تعالى.
وإنما فقدها الأكثرون لأحد وجهين: إما لجهلهم بوجودها وإن مطلوبًا هو
الحكمة مدرك، ولزهدهم فيها فنكبوا عنها فلم يرهم اللَّه - جلَّ جلالُه - أهلاً، ورفعهم عنها
عقوبة لهم؛ لأجل إعراضهم عنها، وربما طلبوها من غير طريقها فضلوها، ولم
يدركوها من تلك الطريقة لم يطلبوها من طريق أخرى، بل كذبوا بوجودها وأنكروا
أن تكون لها صورة خاصة، فيحملهم جهلهم على أن يجهلوا.
ثم قد يكشف الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بصائر بعض عباده فيبصرونها في
غيابات الغيوب بما لا يراه الغافلون، ومَن هؤلاء؟ هم المتقون الذين يؤمنون
بالغيب، [فيعبدون الله] جل ذكره رغبًا ورهبًا؛ ذلك لما أدركوا ببواطنهم يخوب الآخرة
رأوا غيب الحق، وشاهدوه علمًا ويقيا، وهؤلاء هم الموقنون.
واعلم أن للغيب غيبًا كما أن للظاهر غيبًا وسرًّا وخبأ، كذلك للغيب، بل هو
أعرق وصفًا في الغيب، وهذا القول منا على سبيل التقريب، وبحكم ما هو مضاف
إلينا، وإلا فهو علم واحد له أدنى وأعلى فافهم، فلا تزهدن في الازدياد من العلم،
ولا تقنعن بأوائله، وطالب وثابر (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) .
(فصل)
قال الله جل من قائل: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) ويعلم السر في السماء،
و (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
(فصل)
وأصل التقوى: من الوقاية، وأقل التقوى: اتقاء الشرك الأكبر وما جرَّ إليه من
المعاصي، وما جرَّ إليه أيضًا في أثناء الطاعات، والتقوى باطن.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"التقوى هَاهُنَا"وأشار إلى صدره، وربما جاء ذكره
مستوعبًا في أولى المواضع به إن شاء الله تعالى.
والتقوى عمل الإيمان، كما أن الانتهاء عن المعاصي التي ركوبها نقيض