8 -ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات؛ كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت عدمًا، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها؟ ثم كيف تعود إلى العدم تدريجًا في طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم؟ فذلك مما يشير إليه {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} ، فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظل في هذه الآية مع المنة، والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس، وأحوال الشباب وتقدم السن، وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربهم يوم البعث مصيرًا لا إحالة فيه ولا بعد كما يزعمون فلما صار قبض الظل مثلًا لمصير الناس إلى اللَّه بالبعث وصف القبض بـ (يسير) تلميحًا إلى قوله: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} .
9 -وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض؛ وما هي إلا ظل، فهذان المحملان في الآية من معجزات القرآن العلمية.
قال القرطبي: فـ (الدليل) فعيل بمعنى: الفاعل، وقيل: بمعنى: المفعول كالقتيل والدهين والخضيب؛ أي: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، فالشمس دليل أي: حجة وبرهان، وهو الذى يكشف المشكل ويوضحه، ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان والشمس حق، {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} يريد ذلك الظل الممدود {إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} أي: يسيرًا قبضه علينا -وكل أمر
ربنا عليه يسير-، فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع.
الوجه العاشر: قد تم قياس قطر الأرض ومحيطها، ومساحتها، وبُعدها عن الشمس بفضل الأشعة الضوئية الصادرة من الشمس باتجاه الأرض وتغير طول الظل وزاويته.
فهذا يوضح أن الدليل هو الشيء الذي تقاس الأشياء بالنسبة إليه، وكذلك يوضح أن هناك ظواهر أرضية يمكن حسابها بمعرفة أشعة الشمس المرئية.
قال عبد الدايم الكحيل:
1 -من الحقائق المسلم بها دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، والشمس هي المركز والدليل على حركة الأرض، وتفكَّر معي كم من الوقت والجهد استغرقت هذه الحقائق للظهور؟ وكم من العلماء أفنى حياته في سبيل كشف حقيقة علمية واحدة؟!