والمعنى: لا يأتونك بشُبه يشبِّهون به حالاً من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يُشبه حال رسول من الله إلا أبطلنا تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا تلازم ما زعموه سواء كان ما أتوا به تشبيهاً صريحاً بأحوال غير الرسل كقولهم: {أساطير الأولين اكتتبها} [الفرقان: 5] وقولهم {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق} [الفرقان: 7] ، وقولهم: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} [الفرقان: 8] ، أم كان نفي مشابَهة حاله بأحوال الرسل في زعمهم فإن نفي مشابهة الشيء يقتضي إثبات ضده كقولهم: {لولا أُنزِل علينا الملائكةُ أو نَرى ربَّنا} [الفرقان: 21] وكذلك قولهم: {لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] إذا كانوا قالوه على معنى أنه مخالف لحاللِ نزول التوراة والإنجيل.
فهذا نفي تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الرُّسُل الأسبقين في زعمهم.
ويدخل في هذا النوع ما يزعمون أنه تقتضيه النبوءة من المكانة عند الله أن يسأله ، فيجابَ إليه كقولهم: {لولا أنزل إليه ملَكٌ فيكونَ معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكونُ له جنة يأكل منها} [الفرقان: 7 ، 8] .
وصيغة المضارع في قوله: {لا يأتونك} تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم: {أو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفاً} [الإسراء: 92] .
والاستثناء في قوله: {إلا جئناك بالحق} استثناء من أحوال عامة يقتضيها عموم الأمثال لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال.
وجملة {جئناك} حالية كما تقدم في قوله: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليَأكلون الطعام} [الفرقان: 20] .
وقوله {جئناك بالحق} مقابل قوله: {لا يأتونك بمثل} وهو مجيء مجازي.
ومقابلة {جئناك بالحق} لقوله: {ولا يأتونك بمثل} إشارة إلى أن ما يأتون به باطل.